ابتلال

تفشل كل المظلات، الحقائب البلاستيكية وأحذية كلارك الباهظة أمام مطر هذه المدينة. بنطالي المبتل حتى منتصف الفخذ، وسماعات هاتفي التي توقفت عن ترنيم جيمي سميث في منتصف الطريق، يمكنها أن تشهد بذلك.
رائحة مكتب والدي القديم، رائحة غبار كتب أهملت، تعتلي أطراف أصابعي وأنا أتوه بين أزقة مكتبة ليمان اللامتناهية هنا خلف كلية الحقوق. يسخر من بلاهتي نظام ديوي العشري. يضيع الرقم ٣٦ على الرف HQ1236. لا أحتاج الكتاب فعلاً، أعترف أمام الصفوف الغافية، لكن أكره البحث العبثي في نهار أحد ماطر، مع ما تبقى من قهوتي الفاترة في الفنجان البلاستيكي.
كتب عن النسوية، والنساء في كينيا وتنازنيا والكونغرس، عن دورهن في التنمية والعملية السياسية وبناء الوعي. تصفعني حموضة القهوة التي حضرتها على عجل، وكل الكلام الغافي بين دفات الأغلفة المنمقة على الرفوف الحديدية. يمكنك استحضار المصباح الكهربائي لخمس عشرة دقيقة فقط. يمكنك أن تطهو بحثك عن الكتاب المفقود. يحضرني امتنان لكل الوجوه المقبوضة في مكتبة الأسد، لكل حجز مؤقت لحقيبة ظهري بينما أطلب أعداداً قديمة لأرشيف جريدة تشرين، لكل الانتظارات على المقعد الجلدي الطويل في صالة استقبال الواسعة، لكل الأوراق المطلوبة كي تحصل على بطاقة طالب. في مكتبة الأسد حيث أمضى والدي طفولتي وبضع مراهقتي، تترك الكتب لموظفي المكتبة فقط، وبعض ممن أسعفهم حظهم، صبرهم أن يتقنوا انتظار الكتب الميتة.
في نيويورك يمكنني أن أصل لأطباء محتجزون في مشافي الموت بحلب، يمكنني أن أقنع الأمهات في داريا قبل التهجير أن يحدثنني عن الجوع المختبئ على الأرصفة، من هنا يمكنني أن أبحث عن دمشق في الملاهي الليلية وقصص الأغنياء الجدد. لكن في نيويورك أفشل في إقناع أي بروفيسور في كلية العلوم السياسية أن يمنحني عشرين دقيقة لنتحدث عن المراة الحديدية وسفراء الأمم المتحدة.
مازالت صديقتي تنتظر على الجانب الآخر من الحب، مازال الرجال في تطبيقات المواعدة كما تركناهم، مهملون، عبثيون، سذج. مازال الحب على الجانب الآخر من الحياة.
Advertisements

كابوس

استيقظت اليوم على كابوس أني عدت إلى دمشق، بطريقة ما، بخدعه وافقها الحلم، عدت لأرى شقيقتي، ووالدي، ومديري السابق في العمل.
 
في الحلم، غطى البلاط سجادة بنية تشبه تلك التي احتواها عمي في منزله القديم قبل أن يغادر مبنانا إلى الحي البعيد في المخيم، شارع صفد، مبتعداً خمس عشرة دقيقة مشياً. وقتها كان المخيم مدينة، وابتعاد البيوت ربع ساعة انفصالاً استحق أن أبكي عليه طويلاً في نهار الوداع الأخير.
 
في الحلم انتظرت أبي لأودعه مرة ثانية ولم يأت، أخبروني أن اسمي كموظفة حكومية مازال مسجلاً على الحدود، وأني أحتاح إذن سفر آخر، وتسع تواقيع أخرى. في دمشق الحلم، كان علي أن أختبئ في حقيبة كبيرة في حال تفتيش مفاجئ، أن أتحاشى ذوي اللحى المشذبة والبطون المرتاحة على الأحزمة العريضة. هناك، عجزت وثيقة سفري الالمانية عن إخراجي من الصندوق مرة أخرى، علي أن أبقى للأسبوع القادم على الأقل، ألا يعلم أحد أني هنا. أنتظر ابي طويلاً ولم يأت.
 
أتلفت حولي في الغرفة المبعثرة، أغلفة الطعام المكدسة، حقائبي على البراد الصغير، كل الأوراق المفترض بي قراءتها، السرير المتكئ على ذاته كي لا يكون مريحاً أبداً. أستيقظ على واقعي، لأردد، الحمدلله كان حلم، الحمدلله كان حلم.
 
في دمشق الحلم، لا عمل، لا مهمات لانهائية تنتهي بماراثون يتكرر كل أسبوع، لا مشواير مسائية أؤجلها يومياً في أمل ساعات إضافية. في دمشق الحلم، خوف قديم، عائلة ابتعدت عنها، ودفء سجادة لم نعلم أين انتهت.

تعثّر..

اليوم لم أعد هناك.

أخبرتها بالأمس أني لا أستطيع حتى الآن أن أكتب عن منزلي قبل النزوح، ألا أتحدث عنه دون دموع، دون أن أشعر أني ضعيفة، وسخيفة ولست جديرة بهذه الحرب. كانت تتمنى لو أنها بقيت عندما هرب الجميع، مازال الذنب ينقر خاصرتها كلما طالعت خبراً عن البلد الحزين. صارحتها أني لم أشعر بالذنب أبداً، لم يحصل أن شعرت به مذ هربت. هربت، غادرت، أطلق سراحي، لا أدري، لكني أفضّل مفردة غادرت في رسالتي التعريفية على لوحة الإعلانات في المنزل هنا. “غادرت سوريا في خريف أيلول عام ٢٠١٤” لا أسباب، او ظروف أو أي تفصيل قد يدفع أحدهم أن ينقر خاصرة بابي في الطابق الثاني ليسألني المزيد. 

أعود لتدويناتي في برلين وأشك أني حقاً دونتها، لم أقترب من الكلمات مذ أيار الماضي، وأخجل من بدء حكايات هنا تذكر أسماء الشوارع المسترخية، المدينة المجنونة، أستحي من كتابة نيويورك بالعربية ذلك أن تخيف رومنسيتي، تجعل حكاياتي أسخف.

في النهار الجامعي الأول بعد تعثر ثلاث سنوات، أمر على مقرر محاضرات السياسة هذا الفصل وأذهل. لم أستطع إلا أن أجيب عميد الكلية على سؤال “ما انطباعك الأول عن البرنامج؟” سوى بـ “واو” ضحكت عالياً حتى أخبرتها أني سعيدة وحزينة في هذه اللحظة معاً. “أني هنا حقاً، لم أرسم أن أكون هنا حتى في الحلم، أحزن أننا لم ننل تعليماً كهذا في بلدي”. صمتنا دقيقة قبل أن أسألها تفاصيل دفع أقساطي هذا الفصل.

تنتهي الصفحات اللانهائية على طاولت زملائي بدقائق، لأمر على بضعها حبواً. مازال يصر أبي أني صرت أتحدث الإنكليزية كالعربية، ولم أنجح في إقناعه أني مازلت “أحجل”، ولا أعلم إن كنت سأرقص في النهاية أبداً. هاتفت أمي قبل ليلتين لأشكوها كل مخاوفي وأسابيعي المكتظة القادمة، لم يحدث أن تكلمنا طويلاً هكذا، لوحدنا، مذ كان تغسل شعري في شهر الامتحانات في حوض المطبخ. كنت أتجنب هدر دقائقي في الاستحمام، وكانت أمي تنتهي من شعري سريعاً. أؤجل تلوين شعري للنهار الرابع، ربما سأصبغه هذه الليلة. طلب مني أن أكلمه عبر “سكايب” وأنا أفعل هذا، هو من أصرّ أن جذوري باتت واضحة، وأني دونها سأبدو أفضل.

“حرب عنا هون تحت البيت، خربانة.” لم تنتهي الحرب بعد، وكل ما يحكيني عنها هو اسمي، لكنتي وبضع قصص مازلت أرويها.

لا تشبه إلا أنت

كتبت قبل خمسة أعوام أن أنت “كالقهوة تماماً، كل صباح تغريني رائحتها، أعلم أني بعد سهر طويل أحتاجها، لكني أدركت مذ زمن مرارتها، أشمها من بعيد دون أن أفكر حتى باحتسائها”.

لم تعد القهوة تغريني برائحتها بل بحاجتي لها، رغم أني أقلعت عن السهر، حتى في ليالي عطلة نهاية الأسبوع. كنت قد صارحت مديري في العمل أني مذ صرت أخلد للنوم مبكراً كالأطفال، أو العجائز، صرت مملة. النهار ليس لي، لكن كانت ساعات الليل كقطة امتلكت أطرافها، كان الليل يحتمل، لا ينام، يسهر معي على الطاولة المقحمة في الشرفة الضيقة. ليست القهوة صديقة وقتها.

غادرت استيقاظات القهوة في دمشق دون أن أحتسيها، لم تعد طقساً هنا، بل زراً في الآلة المزعجة، النائمة، تبصق السائل الأسود تململاً. لم تعد كالقهوة لأني استطيبت مراراتها، لأنك لستها، لأني يا عزيزي لم أعد أشبه الحب بعقاقير الكافيين، لم أعد أكتب خلف سقف الطاولة.

في الكتاب الذي أنهيته قبل أيام، تكتب شافاق عن الحريم في رأسها. أعترف تماماً بوجودهن عندي أيضاً. لكن لسن عقلات إصبع صغيرات بثرثرات متخلية. هن صديقاتي القريبات اللواتي لا تشبه إحداهن الأخرى أبداً. تشبه كل واحدة منهن أنا دون أن تتوافق مع الأخرى. يختلفن تماماً، كما تتباين أحاديثي مع كل منهن ومزاج شكواي لهن. أترك برلين قريباً وأنا أحأول أن أجمعهن كي لا تكن وحيدات بدوني. يمكن لكل منهن أن تكن صديقات صحيح؟ أقرر أن أجلسهن معاً كي أشرح لهن قصة الحريم في رأسي، في سجل المكالمات في هاتفي.

مازلت أخبر دماغي بعد حفلة السبت الماضي حتى الفجر، أني متعبة. اعتذرت من زميلي أني لا أفهم الألمانية صباحاً قبل القهوة الثالثة، وأني هذا الاثنين احتاج جهداً إضافياً. سهرة السبت الأولى في برلين مذ أن قررت تجاهل سمعة المدينة الصاخبة. أقترح زيارة النوادي الليلية لكل صديق يبيت بضع ليال في منزلي، رغم اعترافي فوراً، أني لا افضل الابتعاد سريري مساء السبت، وأن اقتراحي يأتي من باب مسايرة الكليشهات حول برلين وحسب.

أخطط لعيد ميلادي الخامس والعشرين بحماس مفتعل، حفلة شواء في حديقة فولكس بارك، أو على أسطوح منزل صديقي، في بار مختنق بنيكولن أو على مائدة مزدحمة في المطعم اللبناني الباهظ. للجميع خطط ومواعيد مسبقة، وعلي أن أدعوهم قبل ثلاثة أسابيع على الأقل. أو ربما افضل الاحتفال وحدي مع كيكة جوز هند وشمعة واحدة. عيد ميلادي الخامس والعشرين دون أن يعني شيئاً سوى أني ربما انهيت نصف عمري، إن تمكنت حقاً من العيش خمساً وعشرين عاماً أخرى. ربما.

هل مازال الحب واقفاً على ناصية الانتماء السياسي؟

في بداية ٢٠١٢، اعتذرت صديقتي من رجل تقدم لخطبتها، لاختلاف الولاء السياسي. أذكر جيداً كيف استوضحتها بسذاجة عندما أخبرتني أن عائلتها أيضاً لم تستطع معه إكمال الحديث. أنهم إن لم يستطيعوا الاتفاق على مثل هذه المصيريات، كيف سيبنون عائلة معاً. وقتها أضاف الدمشقيون متطلبات جديدة على قائمة المفروض والمقبول في عالم الزواج التقليدي. مازال معظمها قائماً اليوم مع إصرار بعض العائلات على عدم تزويج أبنائهن، لفلسطينية، أو درعاوية، أو تلك التي كانت لرجل آخر قبل العريس الجديد. صديقتي تلك حاولت أن تتزوج غيره دون أن يفلحا، ولم أعلم إن كانت مازالت تبحث عن رجل ثائر.
اليوم في تجسسات النهار الدافئ على فيسبوك، تزوج صديق “معارض” من صديقة تضع صورة أمين حزب الله على ملفها الشخصي، وصديقة أخرى استبدلت صورة العلم السوري بأصابعها المحلاة بخاتم ألبسها إياه رجل يعلم الجميع أنه منع دخول دمشق. الراحلون في كل دول اللجوء، والعمل والهجرة، اعترفوا بتغاضيهم الغض هذا، حيث بات الوطن الغريب يعوم فوق المطبات كلها.
قبل أربعة أعوام، في قصة قصيرة كتبتها عن حبيبن افترقا عندما سأل الحب لمن الوطن؟ لم يعد السؤال مهماً، أو هكذا أجبت المراهقة البرلينية اليوم عندما سألتني إن كنت أرى حدود سوريا المستقبل هي ذاتها مارسمها الأوروبيون. هي تظن أن سوريا “كدولة مركبة” لم تكن لتنجح على أي حال، مع كل الطوائف والاثنيات التي تنام فيها. يمكن للبنان ان يصبح عشر دول على هذه الحال، وكان للولايات المتحدة أن تقتسم بين البيض والسود، إذ لم يكن لينجح مفهوم الدولة بين بشر مختلفون تماماً في كل شيء، بتهكم أجبت.
ينتظر صديق أميركي البارحة من برلين حزيران القادم “Summer Romance”، كأطباقه الفارسية المفضلة التي تقدمها ربة منزل إيرانية في غرب برلين، يمكن للحب أن يأتي على القياس تماماً، مع مدة صلاحية معينة، وتعليمات استخدام واضحة، أهمها التوقعات المشتركة من العلاقة المطلوبة. وهنا أقصد “the ordered relationship”. حب لزيارة البحيرات المشمسة في النهارات الصيفية القليلة، لمشاركة حفلات التكنوميوزك الصاخبة في مهرجانات الكحول والماريجوانا. حب يجيء حتى يأتي الخريف، ليبدأ العام الجديد، في مكان آخر، مع طلبية رومانس أخرى.
تحرجني هذه الطلبيات مازالت، رغم انتباهي إلى ضرورة الاحتفاظ بوصفة استخدام أي طلبية عارضة، مع قراءة قائمة الأعراض، والآثار الجانبية، والمضاعفات الدوائية. مازلت اعتقد أن بعض الحب، كحبوب الانتيهيستامين، يمكن تناولها كل ربيع، دون وصفة طبيب. يخجلني أن أسأل شاباً في بداية موعد رومانسي، ماذا يريد؟ لم تعد أمراض القلب مزمنة لتحتاج دواء يبقى طوال العمر جانب السرير. تتغير شهيتنا للحب، كما مزاج معدتنا كل مساء. حب للصيف، للشتاء، ولعطلة نهاية الأسبوع. حب لمتلازمات “In security ” والخوف من الوحدة الطارئة، والمساءات المملة. حب ينتهي ككتاب لإيليف شافاق تحكي فيه عن اكتئاب مابعد الولادة، ذاك الذي توقن جيداً أنك لن تقرأه مرة ثانية أبداً. حب تبدأه لأنه سينتهي، ولأنك وضعت على روزنامتك أعمالك موعد انتهاء الحب الجديد.
أخجل من مصافحة الحب كزائر غريب، أخاف دعوته لأن يبقى أيضاً. لكن أدرك أن تجاوزت الحرب في من يمكن أن أحب منذ زمن طويل.

هشاشة

أصر يومياً على اصطحاب حاسبي المحمول في حقيبتي المثقلة أصلاً بكتب الالمانية، جزداني المطرز، مطري الأيدي، ثلاث أعداد من المجلة ذاتها، وإيصالات، إيصالات بطاقات المواصلات، ومتجر الأغذية، والقهوات السريعة. أتجنب منذ أسبوع، أو أشهر، ان آلف جهازي المكتبي على الطاولة الفسيحة، ولوحة المفاتيح المعقدة، وتطبيق البريد الإلكتروني الأبله. آلف فقط آلة تصنيع القهوة، والمحارم الشفافة في دورة المياه، ووجهي المتعب على واجهة المحلات قبل أن أصل صباحاً. عدا ذاك، أتجنب أن أعترف بإمكانية اعتيادي له.
يدي تؤلمني، وكان مفصل رسغي الأيمن يؤلمني في دمشق أيضاً، لحمل الحاسب المحمول الأقدم، يومياً من جسر السيد الرئيس حتى بداية ركن الدين، أو طلعة الإسكان في دمشق. كنت أظن دائماً أن الرسغ أكثر تحملاً من لحم الكتف. يمكنها أن تعتل الكثير دون ألم مدلل. وكنت مخطئة.
في دمشق، كنت أحمل السجاد المغسول على سطح منزلنا وأمي تصرخ أن جارتنا أصيبت بالديسك بالطريقة ذاتها، كنت أحمل أكياس الخضار السوداء من نهاية سوق الشيخ سعد إلى مدخل المدينة الجامعية حيث كنت أبتاع طعاماً للبراد كله، ذاك الذي لم أستطع أن أساعد من تطوعوا لحمله عندما ابتعته مع اعترافي بطول إقامتي القسرية في الوحدة عشرين. لكنت قد حملت الميكروييف من منزلنا في المخيم لوحدي، مع صندوق بلاستيكي أحمر وضعت فيه الصحون والملاعق وماتبقى من مؤونة لم تتعفن تحت مجلى المطبخ الجديد. في ذلك النهار، بالضبط في الزيارة الثالثة لبيتنا بعد النزوح، حاولت أن أصطحب البيت كله. عدة المطبخ، الوسادة، ماتبقى من الملابس، السكر، زيت القلي، وعلب الفول التي كنا قد حصلنا عليها من إعانات الأمم المتحدة.
في برلين، تبدو الأحمال أخف، أكثر انسيابية وإنسانية. طاولة مكتبي السوداء، درج الجوارب الكبير، ورفوف المكتبة التي أعدت تفكيكها وأودعتها القبو بعد أشهر. لوحدي. أكياس الطعام باتت قماشية، لكن مازلت ثقيلة، علب الحليب الرخيص. أحاول ابتياع الأشياء بكميات أقل للمساءات ذاتها، لكن يزعجني إحساس ببرجوازية برغماتية لا تشبهني. أن أشتري موزة، وعلبة لبن صغيرة واحدة، وحساء مجمد لغداء الغد في الأمس. تشبهني الأكياس المكدسة أكثر.
تثقلني المقارنات اللانهائية. يؤلمني إحساسي بالألم أكثر من الوجع ذاته. الألم هو ضعف أعجز عن استخفافه، تجاهله، أو استغراب البكاء منه. الألم إنساني أكثر مما باتت مشاعري تجاه معظم الأشياء. يدي تؤلمني وليس من الكتابة هذه المرة. تؤلمني ولم أنم عليها منذ أشهر. تؤلمني ولحم كتفي وحقيبتي تتجاهل كل هذا وتحملني المسؤولية. أن ليست المساحات يجب تعبئتها بالضرورة، للفراغ مساحة أيضاً. للفراغ لا ألم.

عن العزلة والنزوح

يشعل المصباح الطويل ليطفئه .. محاولاً فهم الآلية التي تجعل زمن اشتعاله أبطأ من مدة انطفائه .. لعشر دقائق يتأمل المصباح الوحيد الذي مازال صالحاً في الغرفة .. مستسلماً لفكرة أنه يكره الفيزياء..

يتوجه لسريره المعدني .. من الغريب كيف يفضل صريره الصدئ على كل أسرة المنزل الفارغ .. يوجد ثلاثة أسرة أخرى .. في غرف ليس فيها مصابيح معطلة .. لكنه قبل أسابيع قرر أن تلك ستكون غرفته .. لم يحاول إضفاء طابع شخصي عليها .. ذلك أنه لا يمضي فيها اكثر عشر دقائق واعياً قبل أن يترك تأملاته الفلكية على الطاولة الصغيرة .. بجانب السرير الأبيض ..

تحت وسادته السميكة بضع أوراق مهملة .. تذاكر الباص بضع فواتير صغيرة .. وتذكرة القطار الأخير .. قبل أن يتوقف كلياً عن العمل .. لم يدر لم احتفظ بها تلك المرة .. وكأنه أدرك أنها ستكون الأخيرة .. ربما لأن المفتش لم يمزقها ايضاً .. بلصوصية طفولية فكر باستخدمها في المرة القادمة .. ولم تكن هناك واحدة ..

يطرد فكرة أن المحطة في دمشق باتت في المكان الآخر .. حيث لا أحد .. ولا مكان .. أيضاً في المدينة الأخرى .. ليس حال القطارات افضل .. المهم لن يفكر بأي شيء سيء .. لا يحتاج هذا قبل أن ينام .. عله هذه المرة يفعل ..

يمسك الهاتف الذي اشتراه قبل اسابيع ايضاً ..

يطلب رقماً لا على التعيين .. المهم ان يبدأ بالأرقام الأربعة الأولى .. لا أحد يجيب .. يجرب رقماً آخر .. يحاول ست مرات قبل ان ترفع السماعة .. ليجيب أحدهم : “ألو .. مين؟”

يغلق الهاتف .. يصمت .. يمسح عينيه مستنكراً دمعة مباغتة ..

يبحث عن الرقم الذي كان قد طلبه تواً .. يسجله على هاتفه المحمول ..

يهذي الهاتف الأرجواني برنينه حتى يتعب .. يرفع السماعة .. يعود لإغلاقها .. يضع الوسادة الزرقاء على وجهه .. حتى الصباح ..

عن عيد المرأة .. متأخرة بيوم

“كان نهاراً سخيفاً”، أخبره باستخفاف مضحك، يضحك. لم يعرف قبلاً أن يمكنك أن تختصر جواب سؤال كيف كان نهارك بكلمة سخيف. أمضيت مواعيدنا العشر الأولى وأنا أخبره عن نهاراتي الجميلة، المسالمة. النهارت المتعبة، المليئة بالانجازات المحققة أو قيد التحقيق. الأيام التي تستحق أن تخبر عن تفاصيلها حتى لو بدت مملة، يمكنني دائماً أن أسردها بطريقة تجعلها تخفف من نمطيتها، من كونها نهارات عادية أخرى. لكن البارحة لم يمكن كذلك، كان بكل بساطة نهاراً سخيفاً، آخر؟ لا أدري. متأكدة أن النهارات السخيفة هي جزء اساسي من الحياة السخيفة أو المهمة التي أعيشها. لكن يحدث أن تمر سخافة معظمها ملتبسة بسخافة أشياء تتضمنها، كعمل سخيف، لقاء سخيف، كتاب سخيف تقرأه بنهم في المترو أو حتى أشياء سخيفة كنت تنتظرها وتجاهلت هي موعدها بسخافة رائعة. يحدث أن تلوم هذه الأحداث الصغيرة لاحتلالها كرسي نهارك الذي كان من المفترض أن يكون عظيماَ، رائعاً، تاريخياً. أو على الأقل ليس سخيفاً على الإطلاق. لكن البارحة لم تستطع أي الاشياء التافهة أن تتحمل مسؤولية سخافة النهار كوحدة زمنية دقيقة من حياة يفترض، أو أخطط لها أن تكون طويلة. عظيمة، رائعة، تاريخية. أو على الأقل ليست سخيفة على الإطلاق.

ربما يتحمل النهار الذي سبقه، مسؤولية سخافة الذي تلاه. تذكرت في نهايته أن عليً تذكر تاريخه لأني سأخبر الجميع عنه يوماً ما.  أو ربما يتحمل إحساسي بسخافتي المحببة عندما رفعت يدي لأقوم بـ “HI 5” أخطأت توقعها من أحد المحررين هنا في المجلة صباح أمس بعد حديث لطيف من المترو إلى باب المطبخ. التعليقات السخيفة اللانهائية على محادثات أردوغان والاتحاد الأوروبي لإيجاد حل نهائي لنهر اللاجئين. “سيكون هناك دائماً طريق آخر، لا يدرك الأوروبيون ذلك أبدا”، أخبرت زميلة في العمل بعد ساعة غداء ثانية شاركتها إياها، فقط كي أخبرها كم كان النهار السابق ليس سخيفاً على الإطلاق.

يمكنني بكل وضوح أن ألوم معرض الصور الفوتوغرافية في السفارة الاسترالية الذي دعتني إليه صديقة مساء أمس. هل هي استراليا؟ الصور، وجوه الجميع المبالغ باسترخائها، الفلافل الاسترالي المشكل كبراز كلب في أوراق خس بيضاء. السياقات المفروضة على الصور لمنحها زخماً تدرك أنها تجهضه مع لحظات التلقيح الأولى. الخطاب الطويل الذي لم تستطع فيه إحدى المصورات بفستانها الذهبي وقصاصة الورق الخضراء من تذكر كل الأسماء الغير مهمة، السخيفة، الغائبة التي شاركت في جعل هذا الحدث السخيف. سخافة حقيقة اعتبار السفارة هناك أرضاً استرالية كما قال السفير. إذاً يمكنني أن أقول أني سافرت لاستراليا، والولايات المتحدة، وتركيا، والكثير من المرات سافرت إلى لبنان حيث كنت على أراض لبنانية ضمن الدولة الألمانية. يمكن أن تستخدم جملة السفير تلك كحبكة صفراء لإحدى سكتشات ياسر العظمة. الرجل ذاته الذي كان يتبجح بأنه تلقى لكمات من مرافقي مسؤوليين مهمين في الدولة، يمكنه في حلقة رمضانية أخرى أن يخبر الجميع كم دولة وطأت قدمه وهو في أحضان الوطن. شخصياً أخاف السفارات، والمطارات ومواعيد القطارات الدقيقة. أخاف السفر، رغم صدق حماسة مخططاتي في زيارة برشلونة هذا الصيف، أو المغرب، أو تركيا. لا أعلم. أريد أن أسافر كما يفعل الجميع. رغم أني أكره السفر، وأحب برلين.

آه .. الآن تذكرت، البارحة كان يوم المرأة العالمي. ويصبغ الاسم سخافة لونية على اليوم الآذاري. سخافة الجميع وهم يحيون المرأة العاملة، المكافحة، الأم. المرأة التي تلقت قرنفلة أو جورية بيضاء في هذا النهار بالذات. المرأة التي لم تعلم أن يمكنها أن تثور لكن ثارت على كل حال، “لأنها احتاجت ذلك”. المرأة الرجل. المرأة التي لا تنسى طلاء أظافر قدميها بالبنفسجي، قبل أن تذهب لتقدم عرضاً تفصيلياً في إحدى منظمات الـ NGO الكثيرة. المرأة التي لا تنتظر رجلاً، وتكتب للجميع أنها لا تفعل ذلك أبداً. المرأة التي يكتب عنها الجميع مستنكرين نسيانها أو تذكرها أو الحديث عنها في هذا اليوم بالذات. المرأة التي تعاديها المرأة أولاً. المرأة التي هي عظيمة لأن “هيك الله خلقها، ماحدا وراها”. المرأة التي جعلت والدها، وابنها وزوجها مقتنيات منزلية عائلية محببة.

قدم أمس نفسه كشيء خاص، كتاريخ معين، كإيفينت على فيسبوك سيعلم الجميع أني مهتمة به لكن لن أذهب إليه. كإدراك زمني واع، ليس كنهار آخر. قدم نفسه متحملاً سخافتي وأنا أكتب عنه في النهار اللاحق. أن بالأمس كان نهاراً استثنائياً ذلك أنه كان سخيفاً حقا.

My Biggest Problem after Escaping a Fresh War

I spent the evening with a friend, trying to choose my favourite flower. I was drawing on examples to convince him of the urgency of my dilemma. What if, in choosing – what happened to a female friend – happened to me – and I succeeded in overlooking the one flower I could have fallen in love with?

Choosing my favourite flower was anything but simple.  Choosing a favourite suggests that you’ve seen it all, done it all.  Choosing means finding the ultimate favorite, the perfect favorite, the one, which would not change with circumstances, place or experience, but which would endure forever – even when you yourself have gone.  Soon I realised that it is an impossible task. But at least, I hoped, I’d learn enough in the process to boldy claim:  “In my opinion, this is the best one among those available”.

At the end of the evening my friend must have been convinced of my dilemma as he told me that I need to blog about that, under the title:  “My biggest problem after I escaped a fresh war.”

When Javier, my Colombian flatmate told me that Jasmine was his favorite flower, I felt intensely annoyed.  Surely it was the Damascenes, who loved Jasmine, and surely it exuded its pure and genuine scent for them alone. Yes, some clichés are hard to let go of. I love Jasmine, as it sprouts and climbs the walls of Mosques and entwines around the fences of the rich in Qosour, Bramkeh and Kafersouseh in Damascus. And it’s yellow perfume bottles which my uncle’s wife gave as a gift to everyone on Holiday in Mawlid, together with bags of sugary-candied almonds. This was before she left Damascus to settle in Bonn, Germany, leaving behind all her relatives, cheap perfume bottles and even the blue Quran cassettes by Meshari Affasi, which her husband was always bragging about possessing, just as he bragged about owning a very religious wife.

So was Jasmine ‘The One”?  It certainly is classic – but then classic was not the way I prefer to see myself.  It carries emotional and historical weight, heavier than its branches can really bear. Put Jasmine in a vase and it will live for a few days. It fades in hours when placed on white napkins. I feel pity for Jasmine more than being tempted by it, and I don’t fall in love out of sympathy. I love you, but you are not ‘The One’. I am sorry.  

The Tulip is more robust, it doesn’t wilt and die as easily, as long as you take care to water it every morning. It reminds you again every sunset that it still needs your care to look glorious, and I like that: One who needs me.  I make it early enough after work to catch the 60-year-old Vietnamese florist at the Prenzlauerberg S-Bahn  station. He is  getting ready to leave, collecting the remaining bunches of sad-looking flowers, who  couldn’t seduce anyone to buy them. There is the yellow tulip flourishing in a bucket of water. It demands in its simplicity that I buy it and avoid all other flowers, as far too complex.  I buy a bunch of ten yellow tulips for three Euros. They look beautiful, but their perfection is silent and uniform.  Each yellow tulip is like the next – arrogant and cold,  not putting in any effort to convince me.  I would love the tulip, but it’s tricky to maintain a permanent relationship while each of us still clings to our pride. I love you, but I’d like to buy you because I choose to and not because I’m fragile and imperfect like you make me feel, by comparison. And that’s exactly why, you are not my favorite at all.

… So my friend and I move on and discuss the flower, which sounds like an English woman, “Daisy”. And like a woman, it’s a good listener. I recall seeing it on empty tables in a warm cafe, waiting for two lovers to join it on their tense date, they proceed to completely ignore its lovely presence, though they can feel its petals listening quietly to their talk. But my choice of flower must be male, otherwise, it would turn into a pale friendship which got smothered by dust in everyday life. Daisies are so peaceful that I only once bought them, when I wanted a boring day to be perfect in its flatness. In our book of short stories in the 6th Grade, a daisy died of thirst.  The house owners left for a vacation without leaving extra water, and the sparrow, the lavender and all the other flowers facing it on the sunny fence ignored its  suffering. The daisy withered, lonely, for a long time before it died. It didn’t even have the strength to put down a root strong enough to suck up the remainder of the water. Daisy withers to the dismay of  others, it lives with the  guilt of  a mistake that is not its own. It’s suffers in silence, bearing daring to open its petals to show off its heart.  It’s too naive for me.

Roses are important, though too traditional. The frightening thing is: no one has really noticed just how traditional the rose has become. And how commercial. Why buy roses for a girl who only expects them on Valentine’s day?  Roses are a disappointment waiting to happen.  A good rose is the one which no one picked from the garden. A beautiful rose is one that everyone preferred to leave for others. The one that someone was too intimidated to own. People praise The Rose’s vanity, but it’s simple conceit bores me. Roses refuse  to share their space in the garden, they refuse to share their attar, and in doing so diverge from the herd and threaten their own survival. Roses are like Paris, a city to adore, but not to live in. Overrated, and in the end, it is really sad – if I have to buy such a beautiful thing to have a little joy in my daily life. How desperate would I really need to be to choose the rose as ‘The One’?

Orchids!  The orchid is my favorite flower, I persuade myself – then hesitate.  The Orchid is secretive, reticent. Fragile and solid at the same time. You could spend a whole lifetime trying to understand one kind of orchid, getting to know its special qualities, and in the end still fail. How could one blossom without a breath? To own an orchid – that is perfect. The desire to understand its complexity led me to the rows of orchid pots in the supermarket.  But I left them there – none the wiser.  Each Orchid is unique, each has its own story.  For example the story about the grandmother.   A grandmother once left her  home for  Europe,  a place which everyone admits is tempting in every way, except for its people.  Orchid is as cold as smart as the people from the old continent generally seem to be. It hurts her  that no one realized how warm she could be.  With an intended carelessness, they put it on a window sill, which the sun rarely visits and allowed her to dwindle.   Don’t buy an orchid already in bloom,  for it will soon die.  And to buy one which has not yet blossomed is a yet greater hazard. It won’t  grow, and you’ll be left with the  grave of a baby flower in your room. Orchid has never pretended to be  a simple, beautiful flower. It’s completely aware of what the intrigues of life and death it hides beneath its shoots. I could say it’s my first flower, but I cannot yet  unravel its mood and character enough to do so.

I liked the roses King Abdullah presented as a gift to his queen for their last wedding anniversary. Rose in all their existing shades. The happy queen carried a huge bouquet of roses.  It looked as if tulips and roses had been entwined with a royal touch. I wanted to buy the same bouquet  as a present for myself  in my 24th birthday, but it was too expensive. I don’t allow myself fall in love anyone or anything, that I know that I can’t afford.

Till now, I am still without a favorite flower, or indeed a favourite film  or a favourite place in Damascus or Berlin. Nonetheless, I insist on forming  preferences,  wanting to believe that they are the best. As if keeping these as a list, would save me  from future losses, like buying a bouquet of flowers only to realise later that you’d left the best behind for someone else.

At the end of our conversation, and the evening, my friend felt the need to comfort me – “the perfect flower for you may not exist”, he said, “but you will find, that once you have had the courage to pick one, in time, it will become your favourite”. I said, “or maybe I need to buy different ones every morning till I get addicted to one of them. Maybe the favorite is the one you can’t get away from, don’t they say that love is the best and worst addiction?”.

المدينة بوجوه أخرى

أخرج من غرفة التسجيل مثقلة بتحليلات سياسية كثيرة، تلكأت في قراءة بعضها، ذلك أنها المرة الأولى، وبعض المقالات ثقيلة مفرداتها، صُنعت كذلك لتحمل الحدث.

يصدح هاتفي برنته الأصيلة من المكتب المجاور. يقاطع ضجيجه الأزرق حديثي مع مديري حول عدد القصص اللازم لإنشاء مجموعة. وأنا أعد قصصي القصيرة اليوم من ضمن مجمل كتاباتي، لاحظت أن ثلاثة أرباعها لك، عني بعد رحيلك، لأواسي ذاتي بأني «وكم كتبت لمن لا يستحق».

أجيب. صوت أنثوي مغرٍ. أخبرها أين أنا وماذا كنت أفعل، محاولة استدراجها بالحديث لأعلم مَن هي. لم أستطع أن أحدد هوية المتصلة، حتى أخبرتني: هل أنت على قدر التحدي؟ رغم أني لم أتأكد تماماً من هويتها وافقت، لنتفق بعد نصف ساعة قرب الـ«فورسيزنز». سينتظرني صديقها أمام الباب كي لا أتوه.

ألملم أشيائي على عجل، أنتظر ربع ساعة على حاجز «مشفى الحياة». لا أعلم إن كان من الجيد أن تعتاد انتظار الحواجز، لكن بعد محاضرة صغيرة لكاتب أميركي عن خسارة سعادتنا لمصلحة سرعة الحياة، أنتظر بحماس. لن تكون أمسية خميس اعتيادية، رغم أنه لم يكن نهاراً جيداً، فقد بدأ بلؤم الحارس على مدخل الكلية معي لعدم إظهاري هويتي. توقعت أنه قد حفظني، ولم يكن.

أمام الحواجز الإسمنتية وسيارة للأمم المتحدة، أسأل الحارس عن طريق الوصول إلى الأعلى، للبوليفار. يجيب بلطف أن أمشي من خلال الحديقة. أحاول ألا ألوث حذائي بالطين جراء العشب المبتل. حذاء ملوث سيكون آخر ما يمكن أن أحتاجه هناك. يكفي أني لم أحضر نفسي كما يجب. سأكون جميلة. أقنع ذاتي وأنا أتأمل محيط الفندق الأبيض وهو مدرّع بالكامل. أتوقع المبلغ الذي تدفعه الأمم المتحدة لاستئجار هذا المكان يومياً. أجمع البيانات عن مرتب الإبراهيمي الذي قالوا إنه يصل إلى ثمانين ألف يورو، وعن مرتب صديقتي الجديد الذي يصل إلى ألف ومئتي دولار.. تنفق الأمم المتحدة الكثير هنا، كي لا تفعل شيئاً سوى البقاء.

أصل المكان المذكور. لم أواجه صعوبة في ذلك. ليس لـ«لافتة» المحل الفضل في هذا، بل للحشد المجتمع دخولاً وخروجاً أمام الدرج الصغير. يرشدني صديقي إلى المدخل بابتسامة أراحتني، محاولاً تهيئتي للمكان في الداخل، ينبهني أني سأتفاجأ قليلاً، وربما أصدم. أؤكد له أني لن أفعل. أكذب. إنها ليست المرة الأولى لي. يعود لإعطائي بطاقته، محاولين التملص من رسم الدخول. يطلب مني أن أخبرهم عند الباب أن هذه البطاقة اشتراها لي صديقي المنتظر في الداخل. اقترح عليّ أن أغير بعض ملابسي، أن أخفف منها يقصد.

رفض أحد الشبان الوسيمين على الباب إدخالي، مؤكداً أن لا أحد اشترى بطاقة لآخر اليوم، وأن عليّ أن أدفع ثمن دخولي أو أن أكلم صديقي ذاك على الأقل. أخرج للشارع منفذة ما اقترح عليّ حرفياً.

تأتي صديقتي مع رجلها الهادئ، أعتذر عن مشاركتهما الليلة، متذرعة بأني لم أحضّر نفسي لهذه الدعوة المفاجئة. مظهر الفتيات المتبرج بشكل مبالغ فيه سيسيء لهندامي في الداخل. تحاول أن تقنعني أن لا أحد يعير اهتماماً هنا، لكن لا يمكنني أن أشارك الجميع فن الرقص من دون أن أستعدّ لذلك مسبقاً. تغريني الأغاني برمي كل ذلك الهذر والدخول، لتبقيني فساتين الفتيات القصيرة خارج المنافسة مع بنطال جينز مهترئ، ثم أني قد تذرعت برهابي من الأماكن المغلقة المزدحمة، ليلة خميس، ولا يمكن إلا أن نتوقع هذا. يقبلان اعتذاري بعد أن أكدت لهما أني سأكون معها الخميس المقبل بكامل أناقتي. يمكنني تدبّر أمر تصفيف شعري قبل ذهابي إلى العمل، لأسرع إلى الحفلة المشتعلة في هذا الجانب الآخر من المدينة.

هنا لا أزمة، لا قتلى أو جرحى أو مآسٍ تتعلق بأي منهما، لا تضخم أو غلاء معيشة، حتى ثمن التذكرة يبدو معقولاً، لا حواجز أمنية لا طموحات مقفلة، لا خوف، لا حزن لا صغينة، هنا لا دمشق بعد آذار 2011، كل ذلك أكد لي أني سأعيش التجربة الأسبوع المقبل، ليس لأرقص، بل لأرى دمشق كيف في ليالي عويلها ما زالت ترقص.

أودّعهما، يمسي حاسبي المحمول أثقل على كتفي الآن، أمشي محدثة نفسي أن بعض ما رأيته يستحق الكتابة، رغم أن ثلاثة أيام رهن الاعتقال لم تحرضني كي أكتب بعد، وربما لن تفعل. عشر دقائق أمام الـ«ديسكو» تصبان المفردات في ذاكرتي وأنا في باص النقل الداخلي متوجهة إلى غرفتي الضيقة في المدينة الجامعية. وجهان مختلفان كلياً للمدينة ذاتها، وآخر ثالث يحياه البقية متجاهلين ما يحدث. هي دمشق إذا بثلاثة وجوه رأيتها هذا الأسبوع فقط، لأحبها أكثر، لأحياها أكثر.

(دمشق)

نشر في “شباب السفير” ٢٥-٢-٢٠١٤