في حب المنفى

تزورني صديقتي البرلينية هنا في نيويورك. نملأ النهار المشمس بزيارات سريعة متعبة لجسر بروكلين، Empire State Building ، وغروب نيوجرسي من سطح سكني الجامعي أمام نهر الهدسن. أتذكر الزيارات التي لم تنته من أصدقاء مشوا من دمشق إلى برلين ليكون منزلي محطة اللجوء الأولى.

أتقنت الزيارت السريعة المتعبة ذاتها، للمقبرة اليهودية في شارع كنيسة صوفيا، حيث تنفد قطع الكيك الساخنة من المخبز المسمسى لأجل الكنيسة قبل الظهيرة، بضع أمتار نخطو إلى الممر الضيق في شارع Rosenthaler قرب السينما. ينتهي الممر بغرافيتي ضخمة لقرد يحمل كاميرا إلى جانب وجه آن فرانك المسكين.

في برلين نمشي من Mitte إلى جزيرة المتاحف بالقرب من النهر التي مازال يصيبني بالخيبة كلما أجبت زائراً عن اسمه. ينتهي النهار بمساء بارد قرب جدار برلين الميت شرق المدينة. في كل زيارة أطالع المزيد عن كل مكان كي أقدم برلين بطبق أدفأ لزائر غالباً لا يهتم سوى بتوفير أجرة سرير سيء في إحدى فنادق برلين الرخيصة.

الجولة ذاتها اليوم في المدينة العظيمة. لم أحاول أن أتظاهر بمعرفة نيويورك، أو حتى التودد منها. كنت سائحة كما باولينا الجميلة، لكن دون شغفها أو فضولها المحببين. أضحك للصور بحماس مفتعل في كل “سيلفي” تطلبه أمام المباني الضخمة. أملأ فراغ الشوارع المتكلمة بكلام فارغ. نتحدث في كل شيء، لأعود في النهاية إلى برلين.
قبل يومين كتبت صديقة فلسطينية من عكا، التقيها في برلين قبل ثلاث سنوات تدوينة قصيرة عن المدينة. تأكدت أن أحتفظ بالمقال لأقرأه في المترو العائد إلى شقتي في حي هارلم. أنهيت كلماتها بحزن وخيبة صغيرين. رشا تحب برلين، لكن لم تستطع كلماتها أن تصف كل شيء. تحب برلين دون أن يأتي المقال بكل ما تركته لها هنا. في الواقع لم أترك شيئاً لأحد في المدينة التي اخترت الرحيل عنها. لم اترك أصدقائي، شارع Schonhauser Alle وبائعو التوليب في الدلاء الملونة، محل المقالي السوداني، المطعم الإيطالي بالبيتزا ذات الأربعة يورو، بوظة الفستق الحلبي في المتجر المكتظ دائماً، وجوه الأطفال المختبئة في رمادية المدينة والسترات التي تفرضها على الأجساد الصغيرة. لم أترك أياً من هذا لأحد، ولا حتى لحبيبي الذي تركته هناك.
غادرت دمشق ولم أشتقها فعلاً مذ ودعت أمي تحت جسر المتحلق الجنوبي في الميدان حيث قررنا باتفاق ضمني ألا نبكي. غادرت دمشق  وصور الوجه الكبير على الأبنية المهترئة. لم يغادرني الامتنان للحياة أجبرتني كما فتحت لي الباب خارج الزنزانة الكبيرة.
اخترت أن أترك برلين دون أن أجبر على ذلك. لم يحدث أن مر نهار هنا، في “أفضل مدينة في العالم” كما يتبجح الجميع، دون أن أشتاق للمدينة التي لم أختر الرحيل عنها فعلاً.
Advertisements

تعثّر..

اليوم لم أعد هناك.

أخبرتها بالأمس أني لا أستطيع حتى الآن أن أكتب عن منزلي قبل النزوح، ألا أتحدث عنه دون دموع، دون أن أشعر أني ضعيفة، وسخيفة ولست جديرة بهذه الحرب. كانت تتمنى لو أنها بقيت عندما هرب الجميع، مازال الذنب ينقر خاصرتها كلما طالعت خبراً عن البلد الحزين. صارحتها أني لم أشعر بالذنب أبداً، لم يحصل أن شعرت به مذ هربت. هربت، غادرت، أطلق سراحي، لا أدري، لكني أفضّل مفردة غادرت في رسالتي التعريفية على لوحة الإعلانات في المنزل هنا. “غادرت سوريا في خريف أيلول عام ٢٠١٤” لا أسباب، او ظروف أو أي تفصيل قد يدفع أحدهم أن ينقر خاصرة بابي في الطابق الثاني ليسألني المزيد. 

أعود لتدويناتي في برلين وأشك أني حقاً دونتها، لم أقترب من الكلمات مذ أيار الماضي، وأخجل من بدء حكايات هنا تذكر أسماء الشوارع المسترخية، المدينة المجنونة، أستحي من كتابة نيويورك بالعربية ذلك أن تخيف رومنسيتي، تجعل حكاياتي أسخف.

في النهار الجامعي الأول بعد تعثر ثلاث سنوات، أمر على مقرر محاضرات السياسة هذا الفصل وأذهل. لم أستطع إلا أن أجيب عميد الكلية على سؤال “ما انطباعك الأول عن البرنامج؟” سوى بـ “واو” ضحكت عالياً حتى أخبرتها أني سعيدة وحزينة في هذه اللحظة معاً. “أني هنا حقاً، لم أرسم أن أكون هنا حتى في الحلم، أحزن أننا لم ننل تعليماً كهذا في بلدي”. صمتنا دقيقة قبل أن أسألها تفاصيل دفع أقساطي هذا الفصل.

تنتهي الصفحات اللانهائية على طاولت زملائي بدقائق، لأمر على بضعها حبواً. مازال يصر أبي أني صرت أتحدث الإنكليزية كالعربية، ولم أنجح في إقناعه أني مازلت “أحجل”، ولا أعلم إن كنت سأرقص في النهاية أبداً. هاتفت أمي قبل ليلتين لأشكوها كل مخاوفي وأسابيعي المكتظة القادمة، لم يحدث أن تكلمنا طويلاً هكذا، لوحدنا، مذ كان تغسل شعري في شهر الامتحانات في حوض المطبخ. كنت أتجنب هدر دقائقي في الاستحمام، وكانت أمي تنتهي من شعري سريعاً. أؤجل تلوين شعري للنهار الرابع، ربما سأصبغه هذه الليلة. طلب مني أن أكلمه عبر “سكايب” وأنا أفعل هذا، هو من أصرّ أن جذوري باتت واضحة، وأني دونها سأبدو أفضل.

“حرب عنا هون تحت البيت، خربانة.” لم تنتهي الحرب بعد، وكل ما يحكيني عنها هو اسمي، لكنتي وبضع قصص مازلت أرويها.