عيد الأم

في رسالة لبروفيسوري الإسرائيلي الطيب، أخبرني أننا سنشاهد فيلم “والتز وبشير” في الصف غداً وأنه عن الاجتياح الإسرائيلي للبنان في ١٩٨٢. رأي البروفيسور أن عليه تحذيري لمقاطع من الفيلم تحتوي صوراً لمذابح صبرا وشاتيلا ربما أفضل ألا أراها، وأنه سيسمح لي بمغادرة الصف أثناء عرض الفيلم. أبتسم، أتذكر زيارتي الوحيدة للمخيم في خريف ٢٠١٢، قبل شهرين فقط من نزوح اليرموك. أكتب في الرد أن حقدي لا
يحتاج صوراً إضافياً كي يملاً القلب. أتذكر أنه من هناك، وأنه طيب حقاً، أكتب، رأيت ما يكفي سواء من الجيش الإسرائيلي أو من الأسد.
تطلب مني مسؤولة المكتب الصحفي في البيت الابيض أن أزودها بمعلومات إضافية عني، وأن أتأكد من تهجئة اسمي بدقة. أحست بالذنب النهار التالي أن ربما تؤرقني الأسئلة الإضافية. صارحتني أنها لا تمثل الإدارة الحالية، وأنها تشعر بالعار لما يحصل هناك. أخبرتها أن لا مشكلة، وأن تهجئة اسمي هو ألطف ما يمكن للإدارة الحالية أن تؤرقني لأجله. لن يراني أبي في نهار تخرجي، لأجل قرارات الإدارة الجديدة، وأخاف أن أغادر إلى برلين أيار القادم، علّي لن أعود.
يأكلني إحساسي بالذنب تجاه الربيع والإجازة التي نالت اسمه. ابتعدت عن الكتب، وحاسبي المحمول، وكل التاريخ الذي علي أن أهضمه قبل كتابة السطر الأول في المشروع الذي يستوجب تسليمه بعد أسبوع بالضبط. يأكلني إحساسب بالذنب أن كان عليّ البقاء في نيويورك، زيارة بعض المتاحف بدلاً من الأيام التسعة التي أمضيتها في الجبل، أو في السيارة بين ولايات الغرب الأميركي.
ابتعدت عن الكتب سوى رواية لكاتب باكستاني يحكي فيها عن حرب تشبه حربنا في أرض بعيدة. يشبه النص كوابيس بيروت لغادة السمان دون أن يرتقي لواقعيتها. تبدو الحرب أكثر طرواة بالإنكليزية ربما، تبدو أقرب بالعراقية عندما شاركتني “نور” ما حدث في الكرادة ببغداد عشية عيد الفطر الماضي.
يحمل آذار مشاريع العام المقبل دائماً، أو على الأقل خطط الخريف. يحمل حباً للمساءات التي تنكر فساتيني القصيرة أنها ما زالت باردة. الربيع الماضي حمل ربيعي هذا الذي لم يكن عاقراً أيضاً. أكثر ما أخاف في عيد الأم أن يأتي آذار القادم دون مشاريع وليدة.
Advertisements

معطفاً أجمل

أنهيت مقابلة التاريخ الشفوي الأولى لي هذا المساء. اتفقت مع الدبلوماسي الثمانيني أن نلتقي في الثالثة والنصف. لم أزر هذا الجزء من مانهاتن قبلاً، ومازالت الأبنية الملونة أكثر ما أفضله في المدينة اللئيمة. ليست لئيمة، لكن تصر على تجاهلي، وأصر على الاعتذار عن كوني هنا.

انتظرت لدقيقة أمام باب الشقة المفتوح قبل أن يستقبلني في غرفة الجلوس. أمضيت المقابلة أسترق النظر غلى تفاصيل المكان اللانهائية، الأطباق الزجاجية التي لم أستطع أن أحدد جنسيتها بالضبط، النافذة الخشبية المدقوقة على الجدار. لم أعلم إن كان مستر ريتشارد قد تجاهل أو سها عن تعليقي في نهاية المقابلة على أناقة المكان.

تحدثنا لساعة ونصف، دون أن ننه الأسئلة التي احتجته للإجابة عنها، طلبت أن نلتقي مرة ثانية، لم يعترض رغم اعترافه أنه لا يملك أكثر من ما شاركني به. حمل الثمانيني الجميل معطفي الرياضي كي أرتديه، تمنيت لو أني اصطحبت معطفاً أجمل، معطفاً يستحق أن يساعدني على ارتدائه دون أن أشعر بالحرج أني لا أنتمي للمكان. شاركت بعض المعلومات الشخصية وهو ينتظر قدوم المصعد معي.

اعترفت هذا الصباح أن تجربة المرأة المستقلة ترهقني، وأن سعيي الدائم لعمل أفضل ينال من بدايات ونهايات أيامي، أني أتمنى لو كانت تجربة فعلاً، لأعلن أنها انتهت، أو أن أكتفي بتجربة الفتاة المستقلة دون الترقية لأكون امرأة عاملة. لا تنتهي الانتظارات، مرة أخرى أنتظر نهاية. البدايات مبالغ في تقديرها، توقفت عن كوني فتاة عندما أدركت ذلك ربما.

أؤجل يومياً مشروع كتابة مذكراتي رغم الأيام المحمومة بتفاصيل تستحق التدوين، مشاركة أحد أصدقائي الافتراضيين مذكراته المملة على الحائط أمام الجميع، يضع فكرة الكتابة أسفل المعدة. أعلم، أشارك نهاراتي كما يفعل، لكن على الأقل لم جمع كلمات العربية كي أخبر أحداً ماذا تناولت اليوم على العشاء، أو أن فطيرة التفاح من مطبخ السكن لم تكن بالسوء الذي توقعته.

البدايات، النهايات، ورسائل البريد الالكتروني، لم تفشل في إيقاظي بعد نوم قصير. أمي أيضاً.

قبل الاثنين القادم

أحاول أن أنهي النسخة الأولية من مشروع تخرجي قبل مساء الاثنين، أحتاج الكتابة بشكل متواصل في الأيام القادمة حتى أنهي المشروع قبل موعد التسليم. فيزيائياً أعجز عن الكتابة مع ألم ساعدي، مرفقي وأصابعي من الطباعة، تؤلمني مفاصلي كستينية مهترئة هجرها أطفالها، يذكرني وجهي أني لم أتجاوز السادسة والعشرين بعد.
 
أتهرب من العمل بالكتابة عن مقابلة الأمس في محاضرة التاريخ الشفهي، والإجابات التي ظننت أني اعتدتها في السؤال عن المخيم ودمشق والحرب التي وضعتني في العاصمة الألمانية. مازلت أختنق كلما أخبرت أحداً أن الناس في المخيم ماتوا من الجوع، مازال عيوني تستمع لقصة تلة الخبز في حملة التجويع التي لم ينتصر فيها سكان اليرموك.
 
أعطانا البروفيسور الجميل دقيقتين لنتنفس إثر المقابلة المركزة. أتحاشى عيون الجميع في نهاية الدرس الطويل. لم يعلم أستاذي الإسرائيلي أن أطفال المخيم لا يعرفون العالم الخارجي إلا إذا ارتادوا الجامعة، لم أعلم أن أحداً لا يعلم هذا أيضاً. في نهاية النهار أهرب من فيلم “عمر” للمرة الرابعة أمام عشائي القصير، أهرب من استيقاظ الحقد على جبهة فلسطين، من مشاهد التعذيب لرجال يخطئون العربية. أنتظر القبلة الجميلة بين عمر وحبيبته التي تشبه حنين شقيقة راما صديقتي، لكن لا ينتهي مشهد الاعتقال. أتهرب من سؤال “الحل الأفضل” للشعب الفلسطيني.
 
أعود للمقابلة الفوضوية مع السيدة نجاح في المشفى الدافئ في برلين بداية هذا العام، مع أنفاس والدتها التي تكاد أن تنفد، بدت كل القصص المتراكمة، المقتضية الغير منتهية، الفوضوية بشكل واضح، بدت معقولة، مفهومة، لا تحتاج لدقة الصحفي التي أضعها عادة أمام مسجل الصوت. الآن أعود للمقابلة وملاحظاتي لكن دون الترتيب الفوضوي الذي منعني من مقاطعتها وهي تحكي أيام الحصار، والهجرة الثانية. أحاول أن أنهي المشروع بتغلبي على فوضوية المقابلة، فوضوية تاريخي الشفهي أمس، والآلام الجسدية التي لا أصدق أني مازلت أكتب عنها.
 

صباح أحد

يروي توم سيجيف في “فلسطين واحدة، مكتملة” تفاصيل الانتداب الأوروبي على فلسطين، نهايات العثمانيين، الجوع في غزة، والقرى اليهودية. في ١٩١٧ قبيل الحرب العالمية الأولى تقلص عدد سكان فلسطين من ٨٠٠ ألف (٧٠٠ الف فلسطيني و٨٥ ألف يهودي) مئة ألف كاملة. يذكر أن مؤرخاً فلسطينياً وثق أن بعض الأمهات “العرب” أكلن أولادهن من الجوع. أبحث عن مؤامرة بين الأحرف على جهازي الجديد، والتطبيق الذي مازال قاموسه الالكتروني يبهرني. أستطيع أن أبحث عن معنى Kleidoscope في وصف السياسة البريطانية في القدس. يلخصها مؤرخ يهودي أن “بعض البريطانين كان أقرب لليهود، وبعضهم الآخر للعرب، ومنهم من كان يكره الطرفين.”
لم تنته أزمة المياه في دمشق، لكني أمضيت ظهر البارحة في متحف “كوينز” الذي خصص معظم قاعاته ليشرح نظام ضخ المياه إلى نيويورك. تحتاح المدينة ١٣٠ مليون غالون من المياه الصالحة للشرب، تأتي من شمال الولاية، وبعض الولايات المجاورة. حاولت التقاط فيديو أشرح به بحماسة مفتعلة تعقيد نظام المياه هنا، تذكرت أن دمشق عطشى، وأن لا أحد يهتم فعلاً. اكتفيت بلقطة بانورامية لمنهاتن، تبدو فيه أقل رداءة من الواقع.
انتهى حظر الدخول على مسلمي دول معينة. لا أتجرأ على مغادرة الولايات المتحدة بعد، ولن ألغي موعدي مع المحامي المشهور صباح غد، لكن لن أنتظر كتابة مخاوفي مرة أخيرة، سأبتسم إن أخبرني أحد زملائي أنه شاهدني في اعتصام الجامعة الاثنين الماضي، دون الاسهاب في محاولة أن أبدو أكثر شجاعة، أقل مهانة، وأنا أردد بمكبر الصوت البدائي خوفاً “ماذا يمكنني أن أقول، لا أعلم ماذا أقول، لا أعلم ماذا أقول.”
والدتي تصر أن يمكنني ارتداء عقدها الذهبي التي أرسلته مع عمتي من حمص في نهارات الجامعة الاعتيادية، سأعتاد وزنه بعد أيام. الكلمات ذاتها في المرة الأخيرة تقنعني فيها بمواظبة الصلاة، “إن اعتدتها لن تستطيعي أن تكملي يومك دونها”، فقدت أمي الأمل بصلاتي منذ زمن. بالضبط منذ تأكدت أني لن أتزوج رجلاً يسألني في الموعد الأول “بتصلي؟”
أكرر قصتي مع الصباحات للأصدقاء الجدد، أشرح اني شخص ليلي أحاول تبني الصباحات بفشل، تلك التي ظننت أنها كذلك لأن برلين تجعلها أضيق. أن الصباح للقهوة الكسولة، لفيروز تبكي بصوت يضحك أصدقائي الألمان، والقراءات العبثية، بعض الكلمات المدونة هنا ربما أيضا.

احتيال

أحتال على فوضويتي ببضع علاقات خشبية أنتظرها بعد طلب متأخر على أمازون، أحتال على ثيابي المكدسة في الرفوف المظلمة أنها سترى النور، وأني لن أنتظر مناسبة أجمل كي أرتدي فستاناً احتلت على إحباط عصر ثلاثاء برليني أن ابتعته.

أحتال على صباحاتي بشاي أيرل غراي بعد أن ذكرت بطلة فيلم آدم أنه قهوة دون رائحة فم مزعجة في صباحات النعاس السيء. أحتال على حلم أني احتجزت في المنزل مع شقيقتي، أن استطعت أن أهرب بواحدة فقط، بهاتف ساخر مع حبيبي أخبره عن الكابوس “المضحك”. أحتال على ألم معصمي بأقراص بروفين أبتلع ثلاثة منها معاً. أحتال على جهلي بأخبار الرئيس الجديد باقتناص “نيويورك تايمز” من مدخل مستوصف الجامعة عند الصباح. أكدس الصحف الثقيلة لأمر سريعاً على العناوين. أحتال على دفء غرفتي ونافذتها التي أعبطت معصمي، بثلاث شمعات إحداها برائحة فطيرة التفاح أشعلتها مساء اليوم لإحباط مساء أربعاء آخر. لم أعلم أن قصتي ستكون أكثر وظائفي صعوبة أن أدونها.

جربت سبع محاضرات في اليومين الماضيين، في مدرسة العلاقات الدولية، وكلية القانون وقسم دراسات الشرق الأوسط. في محاضرة حل النزاعات الدولية ولماذا نفشل، كان لابد أن أخبرهم أني آتي من هناك قبل أن أعتذر من البروفيسور أني سأغادر مبكراً كيلا أتأخر على مقابلة عمل لم تكن كما توقعت. في محاضراتيّ اللجوء والهجرة القسرية، أتبجح أمام الجميع أني من هناك أيضاً، لكن هناك كنت لاجئة، وأني في برلين كنت لاجئة أيضاً. أمضي المحاضرتين أومئ للبروفيسور موافقتي على مضمون ما ذكر، أذكرها بأسماء الكتب وبرامج الراديو التي أرادت التحدث عنها. أخبرها في النهاية أن مشروع تخرجي لن يتبعد كثيراً عن قانون اللجوء الدولي. يحتفي الأساتذة هنا بوجودي أن يمكن لتجربتي أن تخرج الكتب والسياسات للواقع، حيث أتحدث عن رأيي بـ “لماذا فشلنا؟”. صف الهجرة القسرية يحتاج مثالاً حياً للاجئة أخرى. أتهرب من بريدها الالكتروني يسألني إن قررت إضافة مقررها إلى منهاج هذا الفصل، تغريني أننا في نهاية الفصل سنزور عائلة لاجئة هنا في نيوجرسي لنتقرب من تجربتهم أكثر.

في محاضرة الحرب الباردة والأدب العربي، لم يكترث البروفيسور العراقي أني من هناك، لم يكترث أن معظم الطلاب لا يعرفون الجواهري، وأن سياقات الحرب الباردة والأحزاب الشيوعية في العراق ومصر الناصرية ليست بديهيات لطلاب كولومبيا حتى وإن أعجبتهم دراسات الشرق الأوسط في استشراق أكاديمي كتب عنه إدوارد سعيد في الجامعة ذاتها. في محاضرة إعادة التفكير في سياسة الشرق الأوسط، لم أومئ كثيراً، دونت كل ما شرحه البروفيسور البريطاني الجميل، تأكدت من إضافة المقرر إلى المنهاج الثقيل، أكثر ما أثار سعادتي هو أني تمكنت من تدوين كل كلمة، على حاسبي الذي لم يمت في النهاية، أهم ماجاء في المحاضرة.

تسعفنا التكنولوجيا دون أن تشفي سأمنا. أصطحب صوته والصورة منخفضة الدقة في احتيالاتي النهارية الصغيرة، في ممر المتجر المزدحم، قبل مراجعتي لطبيب معصمي الذي لم يأت، بعد المحاضرات التي لم ينتهي “تسوقي” في واجهاتها بعد. أصطحب صوته حتى ينتهي المساء، حتى أحتال على ذاتي أنها بضع أيام فقط، أني بعد أسبوع ربما، لن أجد وقتاً لأي احتيال آخر، سيحتال الوقت على كل إحباطاتي معاً.

من غرفة العلبة في نهار لن يمطر

تكتب صديقتي أنها كلما رأت دمشق بعين مغترب تعلقت بها أكثر. لا تعلم أنها إن استطاعت أن تراها بعين مغترب حقاً، ستزحف هاربة إلى بيروت، إلى المتوسط، إلى حدود الموت في تركيا أو اليونان. لا تدري أن دمشق بعين مغترب هي سجن كبير، مقبرة حياة لم تتنفس بعد لنشتم رائحتها العطنة.

في دمشق تمطر السماء على الاسفلت الموحل. يرتدي المطر حلة عامل تنظيفات في مشفى المجتهد أجبر على العمل وردية أخرى، أخيرة. في دمشق، يرقصون للمطر، يصلون لغيابه، يكتب الجميع عن طول الانتظار. هنا، المطر هو المدينة، المظلات المتكسرة على زوايا الأرصفة اللانهائية، المطر يتجاهل وجودنا كما نفعل تماماً. لا ينتظر، ولا يتوقع منا انتظاره على أي حال. الغربة هي اعتياد بلاهة المطر، الاعتراف الضمني بسخافتنا مع بدء حديث قصير في المصعد عن مزاج الطقس ذلك المساء. الغربة هي ابتعادي عن إلصاق المطر بمعنى اسمي الذي لم يعد يعنيني كما ظن أبي.

كلما رأت دمشق بعين مغترب تعلقت بها أكثر. أقحم ذاتي في التفاصيل التي ربما قد دفعتها لكتابة المدينة في سطر بسيط. شخصياً حاولت اختزال دمشق في صور بألوان مكثفة في وداعنا الأخير أيلول ٢٠١٤. زرت الأماكن المحببة من باب الالتزام بعشرة الماضي لا لدوافع عاطفية أبداً. انتظرت الحمّام الطويل في برلين لأبكي اشتياقي إياها. غادرت برلين ولم يأتِ.
في عشاء طويل بالأمس مع صديق سويسري كان مديري في العمل في ألمانيا، تحدثنا عن فلسطين وإسرائيل وكل الخطابات المكررة والمخبأة وحكايات الطرف الآخر. ظهر النهار ذاته، أخبرني برفيسور السياسة الخارجية الذي يصر أن يسوق اسم منظمة التحرير كمثال على الإرهابيين التقليديين. أخبرني أنه يقدر عاطفيتي وأنا أدفع للاتجاه الآخر في رواية الحرب الأميركية على العراق. علي أن أعي بوجود الرواية الأخرى لكل شيء، أنهى الحديث.
مساء النهار ذاته أتفق مع صديقة سورية أن نطال ماضيها في حلب وإدلب وبرزة دمشق لنسجله على هاتفي المحمول لساعة كاملة. بعد عامين في نيويورك تعلمت لبنى أن تقدم ماضيها كسباق سلس لقفز الحواجز، “قصة طويلة لأختصرها” تقول، قبل أن تذكر عرضياً أنها شهدت مقتل صديق تحت الطاولة، قرب حي الزبدية. “الوطن هو المكان الذي أرتاح فيه،” تكرر.
صباح الجمعة هنا، قهوة أخرى، ومهمات لن تنجز لكن ألهث لإتمامها، كتب تصطف في زاوية غرفة العلبة كما يصطف إحساسي بالذنب أن لم أبدأ قراءتها بعد في زاوية الحنجرة.
“الوطن هو أن لا يحدث هذا كله.” أختصر غسان كنفاني لماثيو في مترو من بروكلين إلى مانهاتن.

ابتلال

تفشل كل المظلات، الحقائب البلاستيكية وأحذية كلارك الباهظة أمام مطر هذه المدينة. بنطالي المبتل حتى منتصف الفخذ، وسماعات هاتفي التي توقفت عن ترنيم جيمي سميث في منتصف الطريق، يمكنها أن تشهد بذلك.
رائحة مكتب والدي القديم، رائحة غبار كتب أهملت، تعتلي أطراف أصابعي وأنا أتوه بين أزقة مكتبة ليمان اللامتناهية هنا خلف كلية الحقوق. يسخر من بلاهتي نظام ديوي العشري. يضيع الرقم ٣٦ على الرف HQ1236. لا أحتاج الكتاب فعلاً، أعترف أمام الصفوف الغافية، لكن أكره البحث العبثي في نهار أحد ماطر، مع ما تبقى من قهوتي الفاترة في الفنجان البلاستيكي.
كتب عن النسوية، والنساء في كينيا وتنازنيا والكونغرس، عن دورهن في التنمية والعملية السياسية وبناء الوعي. تصفعني حموضة القهوة التي حضرتها على عجل، وكل الكلام الغافي بين دفات الأغلفة المنمقة على الرفوف الحديدية. يمكنك استحضار المصباح الكهربائي لخمس عشرة دقيقة فقط. يمكنك أن تطهو بحثك عن الكتاب المفقود. يحضرني امتنان لكل الوجوه المقبوضة في مكتبة الأسد، لكل حجز مؤقت لحقيبة ظهري بينما أطلب أعداداً قديمة لأرشيف جريدة تشرين، لكل الانتظارات على المقعد الجلدي الطويل في صالة استقبال الواسعة، لكل الأوراق المطلوبة كي تحصل على بطاقة طالب. في مكتبة الأسد حيث أمضى والدي طفولتي وبضع مراهقتي، تترك الكتب لموظفي المكتبة فقط، وبعض ممن أسعفهم حظهم، صبرهم أن يتقنوا انتظار الكتب الميتة.
في نيويورك يمكنني أن أصل لأطباء محتجزون في مشافي الموت بحلب، يمكنني أن أقنع الأمهات في داريا قبل التهجير أن يحدثنني عن الجوع المختبئ على الأرصفة، من هنا يمكنني أن أبحث عن دمشق في الملاهي الليلية وقصص الأغنياء الجدد. لكن في نيويورك أفشل في إقناع أي بروفيسور في كلية العلوم السياسية أن يمنحني عشرين دقيقة لنتحدث عن المراة الحديدية وسفراء الأمم المتحدة.
مازالت صديقتي تنتظر على الجانب الآخر من الحب، مازال الرجال في تطبيقات المواعدة كما تركناهم، مهملون، عبثيون، سذج. مازال الحب على الجانب الآخر من الحياة.

كابوس

استيقظت اليوم على كابوس أني عدت إلى دمشق، بطريقة ما، بخدعه وافقها الحلم، عدت لأرى شقيقتي، ووالدي، ومديري السابق في العمل.
 
في الحلم، غطى البلاط سجادة بنية تشبه تلك التي احتواها عمي في منزله القديم قبل أن يغادر مبنانا إلى الحي البعيد في المخيم، شارع صفد، مبتعداً خمس عشرة دقيقة مشياً. وقتها كان المخيم مدينة، وابتعاد البيوت ربع ساعة انفصالاً استحق أن أبكي عليه طويلاً في نهار الوداع الأخير.
 
في الحلم انتظرت أبي لأودعه مرة ثانية ولم يأت، أخبروني أن اسمي كموظفة حكومية مازال مسجلاً على الحدود، وأني أحتاح إذن سفر آخر، وتسع تواقيع أخرى. في دمشق الحلم، كان علي أن أختبئ في حقيبة كبيرة في حال تفتيش مفاجئ، أن أتحاشى ذوي اللحى المشذبة والبطون المرتاحة على الأحزمة العريضة. هناك، عجزت وثيقة سفري الالمانية عن إخراجي من الصندوق مرة أخرى، علي أن أبقى للأسبوع القادم على الأقل، ألا يعلم أحد أني هنا. أنتظر ابي طويلاً ولم يأت.
 
أتلفت حولي في الغرفة المبعثرة، أغلفة الطعام المكدسة، حقائبي على البراد الصغير، كل الأوراق المفترض بي قراءتها، السرير المتكئ على ذاته كي لا يكون مريحاً أبداً. أستيقظ على واقعي، لأردد، الحمدلله كان حلم، الحمدلله كان حلم.
 
في دمشق الحلم، لا عمل، لا مهمات لانهائية تنتهي بماراثون يتكرر كل أسبوع، لا مشواير مسائية أؤجلها يومياً في أمل ساعات إضافية. في دمشق الحلم، خوف قديم، عائلة ابتعدت عنها، ودفء سجادة لم نعلم أين انتهت.

لا تشبه إلا أنت

كتبت قبل خمسة أعوام أن أنت “كالقهوة تماماً، كل صباح تغريني رائحتها، أعلم أني بعد سهر طويل أحتاجها، لكني أدركت مذ زمن مرارتها، أشمها من بعيد دون أن أفكر حتى باحتسائها”.

لم تعد القهوة تغريني برائحتها بل بحاجتي لها، رغم أني أقلعت عن السهر، حتى في ليالي عطلة نهاية الأسبوع. كنت قد صارحت مديري في العمل أني مذ صرت أخلد للنوم مبكراً كالأطفال، أو العجائز، صرت مملة. النهار ليس لي، لكن كانت ساعات الليل كقطة امتلكت أطرافها، كان الليل يحتمل، لا ينام، يسهر معي على الطاولة المقحمة في الشرفة الضيقة. ليست القهوة صديقة وقتها.

غادرت استيقاظات القهوة في دمشق دون أن أحتسيها، لم تعد طقساً هنا، بل زراً في الآلة المزعجة، النائمة، تبصق السائل الأسود تململاً. لم تعد كالقهوة لأني استطيبت مراراتها، لأنك لستها، لأني يا عزيزي لم أعد أشبه الحب بعقاقير الكافيين، لم أعد أكتب خلف سقف الطاولة.

في الكتاب الذي أنهيته قبل أيام، تكتب شافاق عن الحريم في رأسها. أعترف تماماً بوجودهن عندي أيضاً. لكن لسن عقلات إصبع صغيرات بثرثرات متخلية. هن صديقاتي القريبات اللواتي لا تشبه إحداهن الأخرى أبداً. تشبه كل واحدة منهن أنا دون أن تتوافق مع الأخرى. يختلفن تماماً، كما تتباين أحاديثي مع كل منهن ومزاج شكواي لهن. أترك برلين قريباً وأنا أحأول أن أجمعهن كي لا تكن وحيدات بدوني. يمكن لكل منهن أن تكن صديقات صحيح؟ أقرر أن أجلسهن معاً كي أشرح لهن قصة الحريم في رأسي، في سجل المكالمات في هاتفي.

مازلت أخبر دماغي بعد حفلة السبت الماضي حتى الفجر، أني متعبة. اعتذرت من زميلي أني لا أفهم الألمانية صباحاً قبل القهوة الثالثة، وأني هذا الاثنين احتاج جهداً إضافياً. سهرة السبت الأولى في برلين مذ أن قررت تجاهل سمعة المدينة الصاخبة. أقترح زيارة النوادي الليلية لكل صديق يبيت بضع ليال في منزلي، رغم اعترافي فوراً، أني لا افضل الابتعاد سريري مساء السبت، وأن اقتراحي يأتي من باب مسايرة الكليشهات حول برلين وحسب.

أخطط لعيد ميلادي الخامس والعشرين بحماس مفتعل، حفلة شواء في حديقة فولكس بارك، أو على أسطوح منزل صديقي، في بار مختنق بنيكولن أو على مائدة مزدحمة في المطعم اللبناني الباهظ. للجميع خطط ومواعيد مسبقة، وعلي أن أدعوهم قبل ثلاثة أسابيع على الأقل. أو ربما افضل الاحتفال وحدي مع كيكة جوز هند وشمعة واحدة. عيد ميلادي الخامس والعشرين دون أن يعني شيئاً سوى أني ربما انهيت نصف عمري، إن تمكنت حقاً من العيش خمساً وعشرين عاماً أخرى. ربما.

هل مازال الحب واقفاً على ناصية الانتماء السياسي؟

في بداية ٢٠١٢، اعتذرت صديقتي من رجل تقدم لخطبتها، لاختلاف الولاء السياسي. أذكر جيداً كيف استوضحتها بسذاجة عندما أخبرتني أن عائلتها أيضاً لم تستطع معه إكمال الحديث. أنهم إن لم يستطيعوا الاتفاق على مثل هذه المصيريات، كيف سيبنون عائلة معاً. وقتها أضاف الدمشقيون متطلبات جديدة على قائمة المفروض والمقبول في عالم الزواج التقليدي. مازال معظمها قائماً اليوم مع إصرار بعض العائلات على عدم تزويج أبنائهن، لفلسطينية، أو درعاوية، أو تلك التي كانت لرجل آخر قبل العريس الجديد. صديقتي تلك حاولت أن تتزوج غيره دون أن يفلحا، ولم أعلم إن كانت مازالت تبحث عن رجل ثائر.
اليوم في تجسسات النهار الدافئ على فيسبوك، تزوج صديق “معارض” من صديقة تضع صورة أمين حزب الله على ملفها الشخصي، وصديقة أخرى استبدلت صورة العلم السوري بأصابعها المحلاة بخاتم ألبسها إياه رجل يعلم الجميع أنه منع دخول دمشق. الراحلون في كل دول اللجوء، والعمل والهجرة، اعترفوا بتغاضيهم الغض هذا، حيث بات الوطن الغريب يعوم فوق المطبات كلها.
قبل أربعة أعوام، في قصة قصيرة كتبتها عن حبيبن افترقا عندما سأل الحب لمن الوطن؟ لم يعد السؤال مهماً، أو هكذا أجبت المراهقة البرلينية اليوم عندما سألتني إن كنت أرى حدود سوريا المستقبل هي ذاتها مارسمها الأوروبيون. هي تظن أن سوريا “كدولة مركبة” لم تكن لتنجح على أي حال، مع كل الطوائف والاثنيات التي تنام فيها. يمكن للبنان ان يصبح عشر دول على هذه الحال، وكان للولايات المتحدة أن تقتسم بين البيض والسود، إذ لم يكن لينجح مفهوم الدولة بين بشر مختلفون تماماً في كل شيء، بتهكم أجبت.
ينتظر صديق أميركي البارحة من برلين حزيران القادم “Summer Romance”، كأطباقه الفارسية المفضلة التي تقدمها ربة منزل إيرانية في غرب برلين، يمكن للحب أن يأتي على القياس تماماً، مع مدة صلاحية معينة، وتعليمات استخدام واضحة، أهمها التوقعات المشتركة من العلاقة المطلوبة. وهنا أقصد “the ordered relationship”. حب لزيارة البحيرات المشمسة في النهارات الصيفية القليلة، لمشاركة حفلات التكنوميوزك الصاخبة في مهرجانات الكحول والماريجوانا. حب يجيء حتى يأتي الخريف، ليبدأ العام الجديد، في مكان آخر، مع طلبية رومانس أخرى.
تحرجني هذه الطلبيات مازالت، رغم انتباهي إلى ضرورة الاحتفاظ بوصفة استخدام أي طلبية عارضة، مع قراءة قائمة الأعراض، والآثار الجانبية، والمضاعفات الدوائية. مازلت اعتقد أن بعض الحب، كحبوب الانتيهيستامين، يمكن تناولها كل ربيع، دون وصفة طبيب. يخجلني أن أسأل شاباً في بداية موعد رومانسي، ماذا يريد؟ لم تعد أمراض القلب مزمنة لتحتاج دواء يبقى طوال العمر جانب السرير. تتغير شهيتنا للحب، كما مزاج معدتنا كل مساء. حب للصيف، للشتاء، ولعطلة نهاية الأسبوع. حب لمتلازمات “In security ” والخوف من الوحدة الطارئة، والمساءات المملة. حب ينتهي ككتاب لإيليف شافاق تحكي فيه عن اكتئاب مابعد الولادة، ذاك الذي توقن جيداً أنك لن تقرأه مرة ثانية أبداً. حب تبدأه لأنه سينتهي، ولأنك وضعت على روزنامتك أعمالك موعد انتهاء الحب الجديد.
أخجل من مصافحة الحب كزائر غريب، أخاف دعوته لأن يبقى أيضاً. لكن أدرك أن تجاوزت الحرب في من يمكن أن أحب منذ زمن طويل.