اكتفت عنه به

ترمي ما في الوعاء في دورة المياه بهدوء، متجنبة أن يمس الحليب أطراف المقعد الابيض. كانت قد انتقلت أخيراً إلى منزل حقيقي، بعد الطلاق الأول من المهجع المختنق برائحة الأغطية المعاد استهلاكها، أنفاس الجميع، الكلام في الحلم، رنين الهواتف نهاية الصباحات المستعجلة، الشعر المحترق بالمملسات الرخيصة، القهوة، الزبدة المخزنة من وجبات الإفطار الموقع عليها، الخبز المجفف، والزيت المعاد استخدامه. اختفت بعض الروائح هنا، دون أن يذهب الاختناق العطري وإن كان مألوفاً قليلاً. رائحة البسكويت بالكاكاو، مزيل طلاء الأظافر، زجاجات العطر الفارغة تصرخ في انفها كلما مرت قرب الخزانة الضيقة. كانت تخبره بالأمس كيف اضطرت إلى رمي نصف ملابسها كي تفسح مجالاً للملابس الجديدة، في رأسها كانت القصة محزنة، أثارت تعاطفها على الأقل، لكن عبر الهاتف، بدت سخيفة، سطحية وغريبة الأطوار، كما الابتسامة التي أوجزتها بعد غياب أي تعليق منه حول مأساة الثياب المرمية. تفقدت هاتفها مرتين قبل أن تستلم إلى أغاني الصباح الممضوغة، تنظف المجلى العالي، تقف على أطراف أصابعها كي تضع الزجاجات الفارغة على الرف الأخير.

تطهوها اختفاءاته الطويلة، صوته الغائب، ما تبقى من وجهه في رأسها، على شفتيها، في صندوق بريد هاتفها. أردات رجلاً لتحبه بما يكفي وحسب. أتعبها الحب الكبير، القلب الفارغ ومعاطف الأحبة التي لم تدفئ روحها فعلاً. كانت في بدايات مراهقتها تدافع عن فكرة “أن تحبي يللي بحبك”، تخلت عنها مع الرجل الأول، أحبته أكثر مما ينبغي، واستغربت أن تكتب إحداهن رواية كاملة لهذا العنوان وحسب. أحبته أكثر مما ينبغي وحسب، ويمكن للقصة أن تنبت في أذهان القارئات اللواتي قد ارتكبن هذا يوماً. أحبت مرة أخرى ليس أكثر مما ينبغي أو أقل، أو عن رجل كهذا الحب كانت تبحث. في السابع والثلاثين تصبح الأمور أكثر منطقية، مازالت تقع في الحب الكبير إن أتى، تتجنب القصص التي لن تقنعها، لكنها تعلم، أن أياً منها لن يستمر، وأنها إن أردات رجلاً ليبقى، وتبقى هي في حياته معاً، عليهما أن يحبا كلاً الآخر بالقدر ذاته، بالطريقة ذاتها. ودت لو صنعوا للمشاعر تطبيقاً ذكياً لحساب كمية وجودة مشاعر أحدنا للآخر في العلاقات العاطفية، مع عبارات تشجيعية، وأرقام إحصائية ومخططات بيانية ستتجاهلها في الأغلب تحدد موقع القلب على الخريطة العاطفية بدقة، مع مؤشر يتوقع مسارها. كانت له في المرة الأخيرة، للا للقصة أو المكان أو ظروف الحب المقلقة. اختبر كلاهما ماكان يمكن أن يكون لولاهما معاً، مع اختفاءاته الطويلة، وما تبقى من شفاهها في رأسه.

Advertisements

عن العزلة والنزوح

يشعل المصباح الطويل ليطفئه .. محاولاً فهم الآلية التي تجعل زمن اشتعاله أبطأ من مدة انطفائه .. لعشر دقائق يتأمل المصباح الوحيد الذي مازال صالحاً في الغرفة .. مستسلماً لفكرة أنه يكره الفيزياء..

يتوجه لسريره المعدني .. من الغريب كيف يفضل صريره الصدئ على كل أسرة المنزل الفارغ .. يوجد ثلاثة أسرة أخرى .. في غرف ليس فيها مصابيح معطلة .. لكنه قبل أسابيع قرر أن تلك ستكون غرفته .. لم يحاول إضفاء طابع شخصي عليها .. ذلك أنه لا يمضي فيها اكثر عشر دقائق واعياً قبل أن يترك تأملاته الفلكية على الطاولة الصغيرة .. بجانب السرير الأبيض ..

تحت وسادته السميكة بضع أوراق مهملة .. تذاكر الباص بضع فواتير صغيرة .. وتذكرة القطار الأخير .. قبل أن يتوقف كلياً عن العمل .. لم يدر لم احتفظ بها تلك المرة .. وكأنه أدرك أنها ستكون الأخيرة .. ربما لأن المفتش لم يمزقها ايضاً .. بلصوصية طفولية فكر باستخدمها في المرة القادمة .. ولم تكن هناك واحدة ..

يطرد فكرة أن المحطة في دمشق باتت في المكان الآخر .. حيث لا أحد .. ولا مكان .. أيضاً في المدينة الأخرى .. ليس حال القطارات افضل .. المهم لن يفكر بأي شيء سيء .. لا يحتاج هذا قبل أن ينام .. عله هذه المرة يفعل ..

يمسك الهاتف الذي اشتراه قبل اسابيع ايضاً ..

يطلب رقماً لا على التعيين .. المهم ان يبدأ بالأرقام الأربعة الأولى .. لا أحد يجيب .. يجرب رقماً آخر .. يحاول ست مرات قبل ان ترفع السماعة .. ليجيب أحدهم : “ألو .. مين؟”

يغلق الهاتف .. يصمت .. يمسح عينيه مستنكراً دمعة مباغتة ..

يبحث عن الرقم الذي كان قد طلبه تواً .. يسجله على هاتفه المحمول ..

يهذي الهاتف الأرجواني برنينه حتى يتعب .. يرفع السماعة .. يعود لإغلاقها .. يضع الوسادة الزرقاء على وجهه .. حتى الصباح ..

توروسا ..

رطوبة المكان واخضرار الأرصفة المتشمسة .. ضيق السرير الذي يحتويها والوسادة الزرقاء .. هي صيدا إذاً وكل ماهناك يتكلم باللهجة الساحلية .. صديقتها في دمشق كانت قد اشترت جزمة بنية للشتاء الشامي الطويل بثمانين ليرة سورية لاغير .. محل ثياب مستعملة في إحدى ضواحي بيروت .. لم تفهم أين .. خمس وأربعون دقيقة فقط تكون هناك .. من صيدا تصبح الأشياء أقرب ..

السادسة والنصف مساء .. إن غادرت اللحظة لن تتمكن من العودة اليوم .. عليها أن تجد مكاناً تبات فيه .. إلغاء فكرة الذهاب مستحيلة .. ستنام عند صديقها في الأشرفية ..
2طرطوس
والدها يصرخ أن تأكدوا من إقفال الباب وحمل البراد .. أمها وجدتها يناديانها لتلحق سيارة السوزوكي هاربة معهم .. دمشق تمطر ناراً .. لا تعلم أين سيهربون .. كانوا ممن استطاعوا إخراج بعض أغراض المطبخ .. كل شيء رمادي كان حولها ..

توضب أغراضها للذهاب كما فعلت منذ ايام للغرفة الجديدة .. اعتادت أشياءها في حقائب داكنة .. في منزلها الأول كانت تهوى إعادة ترتيب خزانتها كل مرة .. اليوم لا تمتلك سواها .. يحدث للمنزل أن يصير حقيبة .. يحدث للأحلام أن تختبئ في كيس نزوح ..

صديقها اللبناني لا يرد .. لم تصله رسائلها الزرقاء بعد .. موعد السيارة الأخيرة ربما يفوتها .. كما السوزوكي المتهالكة عند باب النزوح .. رحلوا جميعاً لتبقى وحدها في مخلف الركض البلاستيكي ..

ربما تسافر بيروت في زورق صغير .. ليبلتعها البحر الأسود المتوسط كما فعل بالشقيقات الثلاث قبل أيام ..

تزور القلعة الصغيرة بأرواد في زورق الموت ذاته .. المهم أن تشتري الجزمة البنية قبل الشتاء .. حصل أن تناولت جزمتها الرمادية ثلجاً كثيراً رأس السنة الماضية ..

شرفة المنزل المقابل مبتلة بالغسيل الرطب كعادتها .. تستيقظ .. اخضرار المكان يشي بلهجة الأرصفة .. هنا .. في طرطوس ..

تتلمس عينها اليمنى لتؤلمها في انتفاخ أحمر .. كل تشرين تحتقن الحماقات في عينيها .. تلك التي لم تستطع أن تملأ شفتيها تحتشد في أجفانها الناعمة .. لن تستطيع إلا أن تتجمع هناك يوماً ..

حنين

صوت الماء من الصنبور المتروك مواربة يطفئ رغبتها بالحديث إليه .. لا يمكن أن ترتفع قليلاً لإغلاقه .. تعجز أيضاً عن ردم هفوة الشوق التي تطالعها إليه منذ الصباح ..

ستتجاهل هاتفه الأخير إذاً .. رغبتها بتحطيم وجهه ببضع مفردات استفزازية .. تهمل ما صارحها إياه قبل النوم البارحة متذرعة أنها لا تهتم .. هي لم تعد تحبه كما كانت .. عليها أن تقنعه بذلك اليوم ..

يصمت الصنبور .. لم تنغلق فتحة الحنين التي أشعلها صوته المسائي بالمقابل ..ليسا متزامنين إذاً ..

تغفو منتظرة أن يعود الخرير البعيد .. جانب حوض الاستحمام .. تجلس القرفصاء .. رأسها بين ركبتيها .. تشتاق .. تبكي بصمت أبكم .. يعود الصنبور .. يبكي معها .. تبتل أصابع قدميها من المغسلة التي فاضت فوق رأسها .. مبتلة بحنينها إليه تنام ..

اختناق دافئ ..

يتأمل جدران الغرفة الكبيرة، لم يكن لونها قبل شهر ونصف هكذا .. كذلك أصابعه الثخينة لك تكن بذلك السواد المحترق..
دخان الخشب المتكسر في برميل القصدير المشتعل في زاوي الغرفة .. يجعل الهواء أثقل وأصعب على الاستنشاق ..

يدخل “محمد” من الباب الصغير .. صوت الباب يعلو على طقطة القصدير المهترئ:
محمد : كيف تستطيع التنفس هنا؟ .. ستختنق..
هو : الجو في الخارج بارد.
محمد : مهما يكن .. لا يمكنك أن تبقى هنا..
هو : طيب سألحقك . اتركني الآن ..

يخرج محمد صافقاً الباب الأخضر بالحائط .. يتناول ابريق الشاي من على المدفأة .. يصب كأساً في الكوب القديم .. يتناهى لسمعه بضع طلقات اعتادها طوال النهار والليل .. لابد أن يخرج .. سيختنق هنا إن لم يفعل ذلك .. كآلاف الذبابات يطير رذاذ اسود عالق في الهواء .. وجه المدفأة يكاد ينفجر احمراراً .. لن يترك محمد وحده في الخارج هناك .. يحاول النهوض لكن لا يستطيع .. آخر ذرات الأوكسجين تموت في خلايا رأسه .. يحاول أن يصرخ دون فائدة .. سيأتي محمد بعد دقائق .. سيأخذ غفوة صغيرة في غضون ذلك .. لن يستطيع تحمل البرد هناك .. أو ربما تصمت قطعة الحطب التي راما قبل ساعة .. تتأمله يغلق عينيه تعباً .. ربما تهرب من الفرن الحديدي لأحلامه الدافئة ..

لطالما أراد النوم دافئاً .. كذلك الموت إن كان لا بد أن يموت .. أكثر ما ضايقه في فيلمه المفضل ذو السفينة الغارقة . أن “جاك” مات تجمداً ..

كان لا بد أن يموت .. يبرد جسده الصغير .. كذلك البرميل البني المتعب ..

اعذريني هذا العام

بياض الورقة يكسوني.. يكفِّن الأحرف العفنة في دماغي، أفكاري مشلولة، والمشاعر الباردة مذاقها رديء، لا تصلح للكتابة.

أتأمل ما حولي ، خزانتي وبضع أشياء مهملة على ظهرها، هاتفي الأبكم منذ شهر أو أكثر، ألفت صمته المزعج ذاك..NEWS2_M11_D06_7-8

أناشيد الاحتفال المقيتة تدك الدموع في رأسي، هو عيد لاستفزاز الانسانية لا أكثر، وكأنها لم تشبع تحدياتنا الحيوانية بعد.

ليس يوماً ربيعياً هادئاً كما تعلمين، أمقت كل تفاصيله كنت وما أزال، لكنه في العام الماضي تحدث بلهجة أخرى.

منذ عام في هذا اليوم التقيته أول مرة، بين ازدحام المسرعين لاحتفال أسري دافئ، اجتمعنا على قالب واحد، لم يكن سواه متوفراً، رفضت العودة إلى المنزل دونه، إصراري على الفوز بالقالب أمام “نديم” المشتري المنافس، ُقتِل بهدوء، دفع سعراً لم أستطع المزايدة عليه. في ذلك المحل الممتلئ ألواناً حلوة المذاق، كانت ابتسامة انسحابي أطيب من كل ما عرض في البراد الزجاجي، بعد بازار استمر دقيقتين، صَمتُ مع مبلغ 3000 ليرة، كان مستعداً لأن يدفع المزيد، لكنني لم أستطع. صاحب المحل لم يدهش لتلك التضحية مثلي، ربما اعتاد تلك الغباءات في مثل هذه الأيام الحمقاء.

خرجت غاضبة أزجر الدموع عن الخروج من مقلتي، سأعود صفر اليدي دون ما أطفئ عيداناً ملونة عليه. خيبة أخرى في أول يوم ربيعي كانت. يتبعني صوت كان يضربني بالأرقام منذ قليل، لاهثاً من الركض ورائي، قال:” لو سمحت نسيت هذا، أوصلي تحياتي لأمك وقبليها عني”. عجزت عن رسم ابتسامة شكر أو قولها، لكن يبدو أن صدمتي تمكنت بذكاء أن تخبره، قلت:” لا بد أن أعطيك سعره لاحقاً، هذا رقمي.”

انتصارٌ مزدوج، علبة بيضاء مع حفنة شموع في يدي، ورقم شاب مجهول في هاتفي. ربما فاح شذى أنوثتي المغلقة قسراً لتطلق تلك الكلمات، أو رغبة في انتقام حوائي من غني أحمق كان من أنعشها. كيف تجرأ أن يصل لهذا الرقم، حركة مقصودة لإذلالي كانت، كيف استطعت أن أقبلها، لماذا لم أرفض، أهي حاجتي الماسة لتلك العلبة من أخرسني، لا أدري، لكن فكرة مكالمته لاحقاً لم تتركني لأطاردها في دقائق الفضول. كانت حبيسة يومي حتى المساء.

تأكدت أنها لم تكن خطوة عفوية أبداً، لم ينتظر بضع ساعات حتى رأيت هاتفي يلفظ اسمه، سجلتُه أمي وقتها، لم أسأله عن اسمه وقتها، توتري أمام ابتسامته البريئة أفقدني القدرة على نطق حرف واحد أكثر، هو أيضاً لم يطلب تعارفاً بالأسماء.

لن أسميه قدراً، ذلك أنه لم يترك لي فرصة لأحبه أو أتقبله يوماً، لم أقتنع وقتها أنه هو من جمعنا هناك، وحتى إن كان المسؤول عن ترتيب صدفتنا سوية، لا يستحق الشكر عليه، هو تعويض منقوص ينتظر المزيد. لكن الهاتف ” القدري” ذاك امتد ثلاث ساعات كاملة، انتهى باعتذاره الذهاب ليقبل يد أمه. صوتها مازال حاضراً في ذهني: “نديم، أين أنت ألن تعايدني؟”

كل كلمات حديثه الطويل هربت من ذاكرتي، وسؤال وحيد ندمت حينها لأني لم اطرحه ألح علي بإزعاج كريه، كيف تدبر أمر قالب الحلوى في هذا اليوم التعيس، وهل قدّرت والدته كرمه الأخرق مع غريبة، لم يتركني فضولي حتى وجدت نفسي أكلمه في الثانية فجراً أستكمل الحكاية، لم يعطني جواباً أفهمه، لكن أمه كانت سعيدة، هذا ما وصل لي.

تلك المكالمة الليلية الطويلة صارت عادتي كل يوم، قبل أن أراه للمرة الثانية، في صيف تموز المشتعل كانت عيناي تلتهب حباً، فضحتني حركاتي الفوضوية أمامه، لكنني عدت للدهشة الأولى مع كلمة “أحبك” قالها لي.

لن أدعي أنها القصة الأجمل، وبأننا العاشقان المحسودان في كل مكان. أيام رتيبة أسقمتنا أحياناً، ونزاعات مفاجئة تولت كسر تلك الرتابة أحياناً أخرى، لكننا أيقنا أننا مغرومون، وبأنه زوجي سيكون. كنت الطرف الأضعف في هذه العلاقة، وثمن ذلك القالب الخفيف، ولهٌ من العيار الثقيل، أحبني أعلم، لكن ليس كما فعلت.

لا أملك الشجاعة الكافية للتحدث عنا أمامك، ونبش كل تلك التفاصيل المزدوجة معاً، لا أستطيع حصرها كلها هنا، لكن كلماته ونبرة صوته في وداعنا الأخير تحيا بامتنان لحزني حتى الآن.

لم يكن وداعاً سينمائياً، دافئاً حد الواقع كان. يقيني بعودته بعد عام، استمرت في منعي أن أتوسل بقاءه، سيرجع في أيلول القادم، لا داعي لدموع حارة في يوم خريفي باهت. لست من النوع الدراماتيكي عادة، لم أحتج أن أكون، حتى يومها..

هجرة حتمية كانت السبب، لم يرض أن يسمِّها أكثر من إجازة عمل، هرب من فوضانا هنا، انتظار للهدوء من هناك. المهم أنها لن تطول، لم يجد عملاً حتى الآن، آخر رسائله الالكترونية النظيفة مشاعراً وشوقاً، اعترف أنه أعفاني منا، وأنني حرة إن أردت، لم يفسر قراره الهادئ ذاك، لم أطلب واحداً أيضاً، مضى أسبوعان على قرار المقصلة هذا.

محصلة خساراتي لهذا العام بدأت مبكراً، أصدقاء، عملي، شغفي للحياة، ونديم. سأتركها مفتوحة لفراغات أخرى. ما تفقده لا يعوض إلا بالفراغ، ممتلئة به الآن، وباحتقار لهزيمتي الأكبر مختنقة اليوم، كنت ومازلتِ خسارتي الأعظم منذ إحدى عشر عاماً.

أمي لا تغضبي، احتفالي لوحدي مع هدية نديم العيد الماضي، لم يجعله يوماً أنعم. اعذريني هذا العام، سأحتفل، بك طبعاً، لكن معها، أمه تنتظرني لنستفز أقدرانا سوية، هي تحتاج ابناً، وأنا دونك أعوزها.. أتمنى أن تصلك هذه الرسالة قبل إطفاء الشموع هناك..

كل عام وأنت بخير..

العطر الأخير

كبيدق شطرنج أبيض تخرج من الحمام إلى غرفة نومها، هي خطوات فحسب، لكن يجب أن تحسب بذكاء كي لا يداعب دفء قدميها العاريتين جليد البلاط، تقفز في ثوب الحمام الوردي من الباب المغشى ببخار استحمامها، إلى أقرب سجادة منها فباب غرفتها، تغلقه خلفها كمن استطاع الهروب بأقل الخسائر.

292193_416631495048146_644236732_n

أمام مرآتها الفوضوية تجلس على كرسي وعدته يوماً أن تكسيه ثوبا أبهى، كما وعدت تلك اللوحة العاكسة بالتنظيف أيضاً. أي منها لم يتحقق حتى الآن.

قبضتها الصغيرة تختفي في خيوط شعرها البني، تسرحه بهدوء كمن يؤدي طقساً طوطمياً مقدساً، لربع ساعة أو أكثر تسامر الخيوط المتموجة متفحصة كل تفصيل أمامها كأنها تراه لأول مرة.

هو وجهها ذاته، ربما استرق وهجاً أدفأ، لا تطمع بأن تغلي كل تقاطيعها الناعمة، يكفي أن تلتهب عيناها لتصبح بحرارة ما كانت تستحم به منذ دقائق. الملامح نفسها، اعتادت خيبة الأمل تلك، لكنها تستلذ بذلك البحث الكولومبوسي بعد كل استحمام.

لا تصدأ أسنان المشط المعدنية أو تتعب من تسريحها الجنوني ذاك، يدخل في غيبوبة من حياة سابقة. يسير مع أناملها الرفيعة دون شكوى. كما تقبلت مرآتها عملها المتواصل دون أي تقصير.

تخرج من حالة التنويم المغناطيسي مجهولة السبب. تفتح باب خزانتها باحثة عن عطرها البنفسجي، لا تستخدمه إلا بعد الاستحمام. بشرتها الغضة وحدها من يستحق رذاذه الشفاف، ومهما كان ثمن ما ارتدت لن يكون بقيمة مساماتها المختفية. ربما لا يتجاوز سعر تلك الزجاجة أكثر من مصروف يوم واحد لها، لكن لتلك العبوة الرفيعة قصة أخرى.

هدية يتيمة منه كانت ولا تزال، في نهار عادي دون أي مناسبة. لم تعتد مبادرات لطيفة منه قبلاً، لم تحتج أن تعتادها، كانت يتيمة حقاً.

في ذلك المساء الصيفي الدافئ، بعيداً عن عيون المدينة الضجرة، حاول أن يخط لوناً جديداً في علاقتهما. تذكر تماماً كيف شكرته على ذلك الشذى الأول، كانت قبلة بكراً أيضاً.

مضى على ولادة روح الملائكة البنفسجية هذه أكثر من عام ونصف، لم تؤمن يوماً بمبدأ البركة، لكنها تتطلع للسماء كل ليلة بالشكر، على تزويد الزجاجة المنتظرة أختاً بالصبر كي لا تنطفئ.

تلتقطها تربت عليها، وكمن يحل معادلة رياضية تفك وثاقها. قبل أن تشتمها، تذكر ما حصل منذ أسبوع تماماً، لم تصدق كيف مرت الأيام بذلك السباق المارثوني الغريب، مازالا متخاصمين حتى اليوم. كان سببا تافهاً، لم يعتبره كذلك طبعاً، ما أراد أن يقتنع أن تلك الابتسامة التلقائية لحبيبها السابق، لم تكن أكثر من تحية لأيام لم تعد تمتلكها. لساعات مملة حاولت أن تمحي افتراضه الغبي بالخيانة. يدرك ذلك لكنه أراد أن يسجل رقم التنازلات التي يمكن أن تقدمها من أجله. بقي السجل فارغاً يومها مع مكالمة عقيمة. لم تحاول أكثر، سيعود إلى رشده في الصباح، لكن الشمس لم تشرق لسبعة صباحات متتالية.

تروي عروقها الرطبة بماء البنفسج ذاك. ترتدي فستان نومها بسرعة. كل النوافذ حولها مغلقة، تترك واحدة مع الشوق مفتوحة، وتغفو..

مع رائحة عطره الأسطوري على جيدها قبل أن تنام، كان لابد أن يتفرغ لبطولة أحلامها في تلك الليلة. بحنين غجري تصحو لتراه حولها، في كل ما استطاعت عيناها أن تبصر. عبق وسادتها، فستان نومها، أظافرها ، كل ما يحيط بها، برائحة المجرة تلك.

لم يعد مهماً إن طالت قائمة التنازلات لديه. لطالما كان الطرف الأغنى حباً في قصتهما حتى الآن، لن تخسر شيئاً إن سرقت بضع نوبات صبابة من عينيه العسليتين. بأغلى ما لديها ستقسم أنها كانت ابتسامة بتولاً، ستذرف دمعتين أو أكثر إن لزم الأمر. لن توفر أياً من أساليبها النسائية لتعيده إليها. يستحق اعترافاً جديداً بحب قديم، تعلم كم يعشقها، وتدرك المبرر لذلك الشجار السخيف.

تستحضر عوالم عشقها الخرافي كلها محاولة أن تفكر فيما يحب أن يسمع منها في تلك اللحظة بالذات، لا تسعفها مخيلتها في نسج كلمات حب مغرية، لن تفكر أكثر، مهما قالت سيكون محبباً بصوتها الطفولي .

تلتقط هاتفها لتكلمه، تبحث عن اسمه، تأخذ أنفاساً سريعة كي لا يختنق صوتها عندما تسمعه. تمسح دموعها التي قدمت خدماتها قبل أن تطلبها، لا تدري لماذا تبكي، ليس إحساساً بالذنب، ربما شوقاً قاسياً، تسلل لأحلامها بخبث..

لا أحد يجيب، تنهك أذنها من سماع ذاك الصوت المتكرر الرتيب، تستلم لفكرة أنه نائم، لم يسمعه، لعشرات المبررات الواهية، دون أن توافق على السبب الحقيقي الوحيد. هو لا يريد أن يجيب.

بعد دقائق .. يرن صندوقها الصغير، لا بد أنه هو، أحس بالذنب، كان نائماً، أو ربما حاول أن يكتب صباحاً أجمل على شاشة الهاتف الباهتة، كم اشتاقت لرسائله الساعيّة، تغمض عينيها مستذكرة كل تفصيل في حلمها البنفسجي البارحة.

بذات التركيز الذي فتحت به عطر قصتهما، تفتح الرسالة:
لو سمحت أريد كل أشيائي السابقة منك (أعيدي هدياي غداً)

نكوص

كان في الصف السادس عندما أحبهما معاً للمرة الأولى.. لا يفضل الطعام حلو المذاق .. لكن في حصة اللغة الانكليزية .. بعد أن أخبرتهم المدرّسة العشرينية أن كلمة مربى تعني “marmalade” .. أعطته لقيمة من مربى المشمش البرتقالي على خبزة صغيرة مدهونة بزبدة طرية .. للمرة الأولى يشعر أن للمربى مذاق حقيقي .. ربما لأنه كان يحبها .. أو لنقل معجباً بها جداً .. ففي ذلك السن لم تكن مشاعره الحقيقية قد نضجت بعد .. لكن ما استطاع إلا أن يمضي الخمسة والأربعين دقيقة اليومية في الابتسام البريء لها .. علها تطلب منه حمل حقيبتها السوداء مع علبة الطباشير للصف المجاور أو ربما تخبره أنها تريد منه إيصالها إلى المنزل ..
images (3)
حدث هذا حقاً في السبت الثاني من آذار من ذلك العام .. عيد المعلم .. وعشرات الهدايا المصفوفة على الطاولة الخشبية المغطاة بشرشف وردي .. لم تعط الآنسة “أميمة” وقتها أي درس .. كل الحصة كانت مخصصة لفتح الهدايا المقدمة من طلابها الجميلين .. ولأنها كانت الحصة الأخيرة في البرنامج اليومي اجتمعت على الطاولة ذاتها هدايا كل الطلاب من الصفوف الباقية .. لم تكن مفتوحة بعد .. ومع إصرار طلاب صفه .. بدأت بابتسامة الدهشة تفتحها واحدة تلو الأخرى ..

على المقعد الأول .. ذاك الملتصق بطاولة المعلمة .. كان يجلس مأخوذاً بأصابع “أميمة” الصغيرة .. كيف يمكنها أن تفك عقدة الهدية بحركة واحدة لتعيدها بالسهولة نفسها .. وكأنها اعتادت فتح الهدايا .. هل يقدم لها حبيبها هدايا يومية مثلاً؟ .. أو هل لديها حبيب أصلاً؟ .. لم يبحر كثيراً في تلك الفكرة عندما قطعه إليها شريكه في المقعد نفسه سائلاً إياه .. وأنت ماذا أحضرت للآنسة؟ .. في الواقع لم يكن قد استطاع إحضار شيء أبداً .. فأمه تجد أن رواتب المعلمين كافية لأن يشتروا أشياءهم الخاصة .. وأن هذي المناسبة السنوية ماهي إلا حجة جديدة لكي ينهب فيها المعلم طلابه .. لم يجادل أمه يوماً .. حتى في هذا الموضوع بقي صامتاً أمام الفطور الصباحي البارد وطلبه الخجول مئتي ليرة ليتشري زجاجة عطر لها ..

أمام نظرات طلاب الصف المنتظرة والشامتة في آن معاً .. لم يتمكن إلا من الابتسام خجلاً .. نظر إلى أميمة كمن يعتذر عن ذنوب الدنيا كلها .. في اللحظة التي وقفت وقالت: ” سالم سيهديني هدية لم يحضرها أي منكم .. سيقبلني قبلتين .. وسيساعدني في حمل الهدايا إلى منزلي .. من يريد أن يساعده في ذلك؟”..

أمام الأيادي المرفوعة تطوعاً .. قبّلت أميمة خد سالم الأسمر قبلتين صغيرتين .. هو فعل ذلك أيضاً .. لم يحسن أن يجعلها قبلة ناجحة .. فخجله الطفولي منها شل شفاهه عن أي حركة صغيرة .. لكنه لهذه اللحظة مازال يذكر أن خدها الأيمن كان ناعماً جداً .. أكثر من خد أمه و أخواته بكثير .. حتى اللحظة .. مع قبلات صغيرة على خد حبيبته الجديدة .. يذكر أنها ليست بنعومة تلك .. ربما شفاهه كانت أنعم أيضاً ..

يتناول لقيمات من مربى الفريز والزبدة ويخرج حاملاً دفاتر طلابه الصغيرة .. يدخل الصف قائلاً : Good morning boys ,,, how are u؟

وعاد مساء آخر

تشغل الراديو في التاسعة تماماً .. تحتاج سماع برجها لهذا اليوم .. جميع الأبراج أيضاً .. في الحقيقة يقتصر نهارها على مراقبة أفعال الجميع ومدى تطابقها مع ما أوردته سيدة الأبراج في الصباح .. تكره صوتها المصطنع الذكوري في الوقت ذاته لكن لا بد ان تعلم ماذا يخبئ النهار لها بين أمزجة الكواكب مختلفة الأسماء ..

تدخل أمها مع فنجان القهوة .. تخفض صوت المذياع .. تقابل بتكشيرة خفيفة مع ابتسامة عتب .. تعود لرفع صوته .. “أمي .. حان دورك .. ألست الميزان؟ .. اسمعي اسمعي ماذا سيقولون..”

تخرج أمها من غرفتها قبل أن تنهي تلك المنجمة الصباحية جملة “عزيزي برج الميزان” .. images

أكثر ما يعجبها في عادتها اليومية هذه .. أنها مقاومة لكل العوائق الاعتيادية المنتشرة حالياً .. فلا انقطاع التيار الكهرباء أو شبكة الانترنت ولا حتى أصوات الحرب المشتعلة في المناطق القريبة من منزلها يمكن أن يوقف صوت مدام “ن” عن مهمتها اليومية في توزيع فتات الأحلام على الشعب الممتلئ هماً .. تقدر نور إخلاص مدامها الحقيقي ذاك .. يأتي دورها .. هذا برجها .. بعد انتهاء أغنية تسعينية لفيروز تقول مدام “ن” ..

قبل أن تقول أي كلمة كاذبة او صادقة ربما .. تغلق نور المذياع وتقول : “عزيزتي مولودة برج القوس ..نور .. اليوم سيكون مميزاً حقاً .. سيتصل هو هذا المساء .. نعم نعم سيتصل .. كوكب الزهرة كوكب الحب والعاطفة يقترب من مدار برجك .. نعم وأخيراً بعد انقطاع أشهر ستسمعين صوته .. لذا استمعتي بيومك هذا فنهايته كما هو دافئة .. ”

تعود نور لرفع صوت الراديو .. أغنية فيروز التسعينية ذاتها .. تقفز إلى خزانتها .. تختار رداءها البني .. يفضله عليها .. تضع تبرجها الكامل الخفيف .. نعم يمكنها أن تجمع الاثنين معاً .. تجلس على سريرها بعد أن ترتبه .. تمسك هاتفها الوردي .. تبتسم مغلقة عينيها .. نعم أخبروني أنه سيحدثني هذا المساء .. هيا حدثني قبل أن يأتي المساء ”

وعاد مساء آخر..

كرمنتينا.

يعشق قدميه هذه الأيام، يمكن أن يصل بهما كل المدينة، فالسيارات لم تعد توصل إلا إلى الخيبة المتأخرة، شُلَّت العجلات، كما الحياة. يريد أن يعود مشياً، لكن الإنهاك تمكن منه، ولا سيارة أجرة تقبل الاقتراب من تلك المنطقة، يتحاشون سماع اسمها أصلاً، ليست آمنة كما يجب. لا يهتم كثيراً فأحد أصدقائه القاطنين هناك، ممن تواطؤوا على الموت المدبر خلف أصوات الرصاص، سيأتي لاصطحابه من هنا .. بضع دقائق ويصل.

لم يتناول شيئاً منذ الصباح، لم يشعر بالجوع حتى الآن، صوت معدته ذكره أن عليه أن يكون كذلك، يتجاهله بصمت. إصبعه المسكين، يؤلمه بفعل عرق ملح، يحاول انتزاعه بأسنانه ويفشل، صار يؤلمه أكثر، وبات الشارع أكثر وحشة أيضاً. كل السيارات المصطفة قرب الرصيف فارغة، أين البشر، يركز على تلك الفكرة متناسياً إصبعه الذي ينز بهدوء أصفر.

منذ أيام أصيب بالرشح، لا يستطيع أن يشتم شيئاً، لكن رائحة برتقال توقظ أنفه المخدوش بفعل مناديل الرشح الخشنة، من اين تأتي الرائحة؟ لا أحد هنا، لم يعلم أن موسم اليوسفي (الكرمنتينا) قد بدأ، وأن بيارات البرتقال لم تضرب عن الإنجاب، كما حقول القمح في مدن كان فيها.

تداعب رائحة اليوسفي شفتيه، لا يشعر بهما ، ، ربما مصدر الخدر ذاك البرد المستلقي على الاسفلت البارد أو العطر المستفز، يتلفَّت باحثاً، لا شيء. ربما محض خيالات طفولية. كان يحب البرتقال، يرتبط الشتاء المدرسي ببرتقالة يومية يضع قشورها على مدفأة الصف المزدحم.

يحمل عطر البرتقال أشياء أخرى، أيامه التي مضت، أجملها كانت في الشتاء الأخير، ذهب معها لبائع العصير في الصالحية، طلبا منه عصير يوسفي، ذاك النوع حصراً، اعتذر صاحب المحل مبرراً أن اليوسفي الصغير ليس صالحاً للعصر، لكنه رحب بتحضيره لهما إن جلباه له، وكان ذلك.

يشتعل الشارع بأشجار برتقال صغير، يمتلئ رأسه بذلك الذنب المحبب في النوم دون أن يغسل يديه بعد تناول كمية كبيرة منها، أمه كانت تحذره أنها تجلب القمل، لكنها لم تفعل، حديث القمل العتيق وتأنيبات أمه الصباحية مكتشفة قشور البرتقال تحت سريره الواطئ، يحركان الحكة في رأسه، بسبابته التي كانت تؤلمه منذ قليل، يحك رأسه، يشتد الحك، ربما رائحة البرتقال المختبئة تحت أظافره المقصوصة حديثاً تحرض حواسه للحك، لا يستطيع التوقف.

يخيل إليه أن ذاك الشذى المتوسطي ، فتاة هوىً إغريقية تحترف الإغراء، تتمايل حوله ، تلهب كل مسام جسده، دون أن تلمس أياً منها، كأعمى يحاول أن يبحث عن وجه حبيبته الضائعة، يتحداها مهملاً. ليست موجودة هنا، لا يمكن أن تكون، بضع خيالات بتأثير الحنين الطفولي لا أكثر. عندما يصل للمنزل سيشتري منها ويأكل ما يشاء، ليس طفلاً صغيراً كما كان، يمكنه احتمال ذلك الإغواء الحسيي المفرط، يغلق أنفه عنها، يخطو نحو الأمام .. سيمشي حتى يتعب، يبدو أنه لن يأتي صديقه الذي كلمه منذ نصف ساعة ..

من نافذة سيارة فرنسية قديمة، تلقى قشور برتقال بإهمال، تسقط عند قدميه تماماً .. تحطم سكون ما كان، حلمه أن يكون مهووس أعباق ايضاً..