عيد الأم

في رسالة لبروفيسوري الإسرائيلي الطيب، أخبرني أننا سنشاهد فيلم “والتز وبشير” في الصف غداً وأنه عن الاجتياح الإسرائيلي للبنان في ١٩٨٢. رأي البروفيسور أن عليه تحذيري لمقاطع من الفيلم تحتوي صوراً لمذابح صبرا وشاتيلا ربما أفضل ألا أراها، وأنه سيسمح لي بمغادرة الصف أثناء عرض الفيلم. أبتسم، أتذكر زيارتي الوحيدة للمخيم في خريف ٢٠١٢، قبل شهرين فقط من نزوح اليرموك. أكتب في الرد أن حقدي لا
يحتاج صوراً إضافياً كي يملاً القلب. أتذكر أنه من هناك، وأنه طيب حقاً، أكتب، رأيت ما يكفي سواء من الجيش الإسرائيلي أو من الأسد.
تطلب مني مسؤولة المكتب الصحفي في البيت الابيض أن أزودها بمعلومات إضافية عني، وأن أتأكد من تهجئة اسمي بدقة. أحست بالذنب النهار التالي أن ربما تؤرقني الأسئلة الإضافية. صارحتني أنها لا تمثل الإدارة الحالية، وأنها تشعر بالعار لما يحصل هناك. أخبرتها أن لا مشكلة، وأن تهجئة اسمي هو ألطف ما يمكن للإدارة الحالية أن تؤرقني لأجله. لن يراني أبي في نهار تخرجي، لأجل قرارات الإدارة الجديدة، وأخاف أن أغادر إلى برلين أيار القادم، علّي لن أعود.
يأكلني إحساسي بالذنب تجاه الربيع والإجازة التي نالت اسمه. ابتعدت عن الكتب، وحاسبي المحمول، وكل التاريخ الذي علي أن أهضمه قبل كتابة السطر الأول في المشروع الذي يستوجب تسليمه بعد أسبوع بالضبط. يأكلني إحساسب بالذنب أن كان عليّ البقاء في نيويورك، زيارة بعض المتاحف بدلاً من الأيام التسعة التي أمضيتها في الجبل، أو في السيارة بين ولايات الغرب الأميركي.
ابتعدت عن الكتب سوى رواية لكاتب باكستاني يحكي فيها عن حرب تشبه حربنا في أرض بعيدة. يشبه النص كوابيس بيروت لغادة السمان دون أن يرتقي لواقعيتها. تبدو الحرب أكثر طرواة بالإنكليزية ربما، تبدو أقرب بالعراقية عندما شاركتني “نور” ما حدث في الكرادة ببغداد عشية عيد الفطر الماضي.
يحمل آذار مشاريع العام المقبل دائماً، أو على الأقل خطط الخريف. يحمل حباً للمساءات التي تنكر فساتيني القصيرة أنها ما زالت باردة. الربيع الماضي حمل ربيعي هذا الذي لم يكن عاقراً أيضاً. أكثر ما أخاف في عيد الأم أن يأتي آذار القادم دون مشاريع وليدة.
Advertisements

معطفاً أجمل

أنهيت مقابلة التاريخ الشفوي الأولى لي هذا المساء. اتفقت مع الدبلوماسي الثمانيني أن نلتقي في الثالثة والنصف. لم أزر هذا الجزء من مانهاتن قبلاً، ومازالت الأبنية الملونة أكثر ما أفضله في المدينة اللئيمة. ليست لئيمة، لكن تصر على تجاهلي، وأصر على الاعتذار عن كوني هنا.

انتظرت لدقيقة أمام باب الشقة المفتوح قبل أن يستقبلني في غرفة الجلوس. أمضيت المقابلة أسترق النظر غلى تفاصيل المكان اللانهائية، الأطباق الزجاجية التي لم أستطع أن أحدد جنسيتها بالضبط، النافذة الخشبية المدقوقة على الجدار. لم أعلم إن كان مستر ريتشارد قد تجاهل أو سها عن تعليقي في نهاية المقابلة على أناقة المكان.

تحدثنا لساعة ونصف، دون أن ننه الأسئلة التي احتجته للإجابة عنها، طلبت أن نلتقي مرة ثانية، لم يعترض رغم اعترافه أنه لا يملك أكثر من ما شاركني به. حمل الثمانيني الجميل معطفي الرياضي كي أرتديه، تمنيت لو أني اصطحبت معطفاً أجمل، معطفاً يستحق أن يساعدني على ارتدائه دون أن أشعر بالحرج أني لا أنتمي للمكان. شاركت بعض المعلومات الشخصية وهو ينتظر قدوم المصعد معي.

اعترفت هذا الصباح أن تجربة المرأة المستقلة ترهقني، وأن سعيي الدائم لعمل أفضل ينال من بدايات ونهايات أيامي، أني أتمنى لو كانت تجربة فعلاً، لأعلن أنها انتهت، أو أن أكتفي بتجربة الفتاة المستقلة دون الترقية لأكون امرأة عاملة. لا تنتهي الانتظارات، مرة أخرى أنتظر نهاية. البدايات مبالغ في تقديرها، توقفت عن كوني فتاة عندما أدركت ذلك ربما.

أؤجل يومياً مشروع كتابة مذكراتي رغم الأيام المحمومة بتفاصيل تستحق التدوين، مشاركة أحد أصدقائي الافتراضيين مذكراته المملة على الحائط أمام الجميع، يضع فكرة الكتابة أسفل المعدة. أعلم، أشارك نهاراتي كما يفعل، لكن على الأقل لم جمع كلمات العربية كي أخبر أحداً ماذا تناولت اليوم على العشاء، أو أن فطيرة التفاح من مطبخ السكن لم تكن بالسوء الذي توقعته.

البدايات، النهايات، ورسائل البريد الالكتروني، لم تفشل في إيقاظي بعد نوم قصير. أمي أيضاً.