قبل الاثنين القادم

أحاول أن أنهي النسخة الأولية من مشروع تخرجي قبل مساء الاثنين، أحتاج الكتابة بشكل متواصل في الأيام القادمة حتى أنهي المشروع قبل موعد التسليم. فيزيائياً أعجز عن الكتابة مع ألم ساعدي، مرفقي وأصابعي من الطباعة، تؤلمني مفاصلي كستينية مهترئة هجرها أطفالها، يذكرني وجهي أني لم أتجاوز السادسة والعشرين بعد.
 
أتهرب من العمل بالكتابة عن مقابلة الأمس في محاضرة التاريخ الشفهي، والإجابات التي ظننت أني اعتدتها في السؤال عن المخيم ودمشق والحرب التي وضعتني في العاصمة الألمانية. مازلت أختنق كلما أخبرت أحداً أن الناس في المخيم ماتوا من الجوع، مازال عيوني تستمع لقصة تلة الخبز في حملة التجويع التي لم ينتصر فيها سكان اليرموك.
 
أعطانا البروفيسور الجميل دقيقتين لنتنفس إثر المقابلة المركزة. أتحاشى عيون الجميع في نهاية الدرس الطويل. لم يعلم أستاذي الإسرائيلي أن أطفال المخيم لا يعرفون العالم الخارجي إلا إذا ارتادوا الجامعة، لم أعلم أن أحداً لا يعلم هذا أيضاً. في نهاية النهار أهرب من فيلم “عمر” للمرة الرابعة أمام عشائي القصير، أهرب من استيقاظ الحقد على جبهة فلسطين، من مشاهد التعذيب لرجال يخطئون العربية. أنتظر القبلة الجميلة بين عمر وحبيبته التي تشبه حنين شقيقة راما صديقتي، لكن لا ينتهي مشهد الاعتقال. أتهرب من سؤال “الحل الأفضل” للشعب الفلسطيني.
 
أعود للمقابلة الفوضوية مع السيدة نجاح في المشفى الدافئ في برلين بداية هذا العام، مع أنفاس والدتها التي تكاد أن تنفد، بدت كل القصص المتراكمة، المقتضية الغير منتهية، الفوضوية بشكل واضح، بدت معقولة، مفهومة، لا تحتاج لدقة الصحفي التي أضعها عادة أمام مسجل الصوت. الآن أعود للمقابلة وملاحظاتي لكن دون الترتيب الفوضوي الذي منعني من مقاطعتها وهي تحكي أيام الحصار، والهجرة الثانية. أحاول أن أنهي المشروع بتغلبي على فوضوية المقابلة، فوضوية تاريخي الشفهي أمس، والآلام الجسدية التي لا أصدق أني مازلت أكتب عنها.
 
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s