اكتفت عنه به

ترمي ما في الوعاء في دورة المياه بهدوء، متجنبة أن يمس الحليب أطراف المقعد الابيض. كانت قد انتقلت أخيراً إلى منزل حقيقي، بعد الطلاق الأول من المهجع المختنق برائحة الأغطية المعاد استهلاكها، أنفاس الجميع، الكلام في الحلم، رنين الهواتف نهاية الصباحات المستعجلة، الشعر المحترق بالمملسات الرخيصة، القهوة، الزبدة المخزنة من وجبات الإفطار الموقع عليها، الخبز المجفف، والزيت المعاد استخدامه. اختفت بعض الروائح هنا، دون أن يذهب الاختناق العطري وإن كان مألوفاً قليلاً. رائحة البسكويت بالكاكاو، مزيل طلاء الأظافر، زجاجات العطر الفارغة تصرخ في انفها كلما مرت قرب الخزانة الضيقة. كانت تخبره بالأمس كيف اضطرت إلى رمي نصف ملابسها كي تفسح مجالاً للملابس الجديدة، في رأسها كانت القصة محزنة، أثارت تعاطفها على الأقل، لكن عبر الهاتف، بدت سخيفة، سطحية وغريبة الأطوار، كما الابتسامة التي أوجزتها بعد غياب أي تعليق منه حول مأساة الثياب المرمية. تفقدت هاتفها مرتين قبل أن تستلم إلى أغاني الصباح الممضوغة، تنظف المجلى العالي، تقف على أطراف أصابعها كي تضع الزجاجات الفارغة على الرف الأخير.

تطهوها اختفاءاته الطويلة، صوته الغائب، ما تبقى من وجهه في رأسها، على شفتيها، في صندوق بريد هاتفها. أردات رجلاً لتحبه بما يكفي وحسب. أتعبها الحب الكبير، القلب الفارغ ومعاطف الأحبة التي لم تدفئ روحها فعلاً. كانت في بدايات مراهقتها تدافع عن فكرة “أن تحبي يللي بحبك”، تخلت عنها مع الرجل الأول، أحبته أكثر مما ينبغي، واستغربت أن تكتب إحداهن رواية كاملة لهذا العنوان وحسب. أحبته أكثر مما ينبغي وحسب، ويمكن للقصة أن تنبت في أذهان القارئات اللواتي قد ارتكبن هذا يوماً. أحبت مرة أخرى ليس أكثر مما ينبغي أو أقل، أو عن رجل كهذا الحب كانت تبحث. في السابع والثلاثين تصبح الأمور أكثر منطقية، مازالت تقع في الحب الكبير إن أتى، تتجنب القصص التي لن تقنعها، لكنها تعلم، أن أياً منها لن يستمر، وأنها إن أردات رجلاً ليبقى، وتبقى هي في حياته معاً، عليهما أن يحبا كلاً الآخر بالقدر ذاته، بالطريقة ذاتها. ودت لو صنعوا للمشاعر تطبيقاً ذكياً لحساب كمية وجودة مشاعر أحدنا للآخر في العلاقات العاطفية، مع عبارات تشجيعية، وأرقام إحصائية ومخططات بيانية ستتجاهلها في الأغلب تحدد موقع القلب على الخريطة العاطفية بدقة، مع مؤشر يتوقع مسارها. كانت له في المرة الأخيرة، للا للقصة أو المكان أو ظروف الحب المقلقة. اختبر كلاهما ماكان يمكن أن يكون لولاهما معاً، مع اختفاءاته الطويلة، وما تبقى من شفاهها في رأسه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s