احتيال

أحتال على فوضويتي ببضع علاقات خشبية أنتظرها بعد طلب متأخر على أمازون، أحتال على ثيابي المكدسة في الرفوف المظلمة أنها سترى النور، وأني لن أنتظر مناسبة أجمل كي أرتدي فستاناً احتلت على إحباط عصر ثلاثاء برليني أن ابتعته.

أحتال على صباحاتي بشاي أيرل غراي بعد أن ذكرت بطلة فيلم آدم أنه قهوة دون رائحة فم مزعجة في صباحات النعاس السيء. أحتال على حلم أني احتجزت في المنزل مع شقيقتي، أن استطعت أن أهرب بواحدة فقط، بهاتف ساخر مع حبيبي أخبره عن الكابوس “المضحك”. أحتال على ألم معصمي بأقراص بروفين أبتلع ثلاثة منها معاً. أحتال على جهلي بأخبار الرئيس الجديد باقتناص “نيويورك تايمز” من مدخل مستوصف الجامعة عند الصباح. أكدس الصحف الثقيلة لأمر سريعاً على العناوين. أحتال على دفء غرفتي ونافذتها التي أعبطت معصمي، بثلاث شمعات إحداها برائحة فطيرة التفاح أشعلتها مساء اليوم لإحباط مساء أربعاء آخر. لم أعلم أن قصتي ستكون أكثر وظائفي صعوبة أن أدونها.

جربت سبع محاضرات في اليومين الماضيين، في مدرسة العلاقات الدولية، وكلية القانون وقسم دراسات الشرق الأوسط. في محاضرة حل النزاعات الدولية ولماذا نفشل، كان لابد أن أخبرهم أني آتي من هناك قبل أن أعتذر من البروفيسور أني سأغادر مبكراً كيلا أتأخر على مقابلة عمل لم تكن كما توقعت. في محاضراتيّ اللجوء والهجرة القسرية، أتبجح أمام الجميع أني من هناك أيضاً، لكن هناك كنت لاجئة، وأني في برلين كنت لاجئة أيضاً. أمضي المحاضرتين أومئ للبروفيسور موافقتي على مضمون ما ذكر، أذكرها بأسماء الكتب وبرامج الراديو التي أرادت التحدث عنها. أخبرها في النهاية أن مشروع تخرجي لن يتبعد كثيراً عن قانون اللجوء الدولي. يحتفي الأساتذة هنا بوجودي أن يمكن لتجربتي أن تخرج الكتب والسياسات للواقع، حيث أتحدث عن رأيي بـ “لماذا فشلنا؟”. صف الهجرة القسرية يحتاج مثالاً حياً للاجئة أخرى. أتهرب من بريدها الالكتروني يسألني إن قررت إضافة مقررها إلى منهاج هذا الفصل، تغريني أننا في نهاية الفصل سنزور عائلة لاجئة هنا في نيوجرسي لنتقرب من تجربتهم أكثر.

في محاضرة الحرب الباردة والأدب العربي، لم يكترث البروفيسور العراقي أني من هناك، لم يكترث أن معظم الطلاب لا يعرفون الجواهري، وأن سياقات الحرب الباردة والأحزاب الشيوعية في العراق ومصر الناصرية ليست بديهيات لطلاب كولومبيا حتى وإن أعجبتهم دراسات الشرق الأوسط في استشراق أكاديمي كتب عنه إدوارد سعيد في الجامعة ذاتها. في محاضرة إعادة التفكير في سياسة الشرق الأوسط، لم أومئ كثيراً، دونت كل ما شرحه البروفيسور البريطاني الجميل، تأكدت من إضافة المقرر إلى المنهاج الثقيل، أكثر ما أثار سعادتي هو أني تمكنت من تدوين كل كلمة، على حاسبي الذي لم يمت في النهاية، أهم ماجاء في المحاضرة.

تسعفنا التكنولوجيا دون أن تشفي سأمنا. أصطحب صوته والصورة منخفضة الدقة في احتيالاتي النهارية الصغيرة، في ممر المتجر المزدحم، قبل مراجعتي لطبيب معصمي الذي لم يأت، بعد المحاضرات التي لم ينتهي “تسوقي” في واجهاتها بعد. أصطحب صوته حتى ينتهي المساء، حتى أحتال على ذاتي أنها بضع أيام فقط، أني بعد أسبوع ربما، لن أجد وقتاً لأي احتيال آخر، سيحتال الوقت على كل إحباطاتي معاً.

Advertisements