من غرفة العلبة في نهار لن يمطر

تكتب صديقتي أنها كلما رأت دمشق بعين مغترب تعلقت بها أكثر. لا تعلم أنها إن استطاعت أن تراها بعين مغترب حقاً، ستزحف هاربة إلى بيروت، إلى المتوسط، إلى حدود الموت في تركيا أو اليونان. لا تدري أن دمشق بعين مغترب هي سجن كبير، مقبرة حياة لم تتنفس بعد لنشتم رائحتها العطنة.

في دمشق تمطر السماء على الاسفلت الموحل. يرتدي المطر حلة عامل تنظيفات في مشفى المجتهد أجبر على العمل وردية أخرى، أخيرة. في دمشق، يرقصون للمطر، يصلون لغيابه، يكتب الجميع عن طول الانتظار. هنا، المطر هو المدينة، المظلات المتكسرة على زوايا الأرصفة اللانهائية، المطر يتجاهل وجودنا كما نفعل تماماً. لا ينتظر، ولا يتوقع منا انتظاره على أي حال. الغربة هي اعتياد بلاهة المطر، الاعتراف الضمني بسخافتنا مع بدء حديث قصير في المصعد عن مزاج الطقس ذلك المساء. الغربة هي ابتعادي عن إلصاق المطر بمعنى اسمي الذي لم يعد يعنيني كما ظن أبي.

كلما رأت دمشق بعين مغترب تعلقت بها أكثر. أقحم ذاتي في التفاصيل التي ربما قد دفعتها لكتابة المدينة في سطر بسيط. شخصياً حاولت اختزال دمشق في صور بألوان مكثفة في وداعنا الأخير أيلول ٢٠١٤. زرت الأماكن المحببة من باب الالتزام بعشرة الماضي لا لدوافع عاطفية أبداً. انتظرت الحمّام الطويل في برلين لأبكي اشتياقي إياها. غادرت برلين ولم يأتِ.
في عشاء طويل بالأمس مع صديق سويسري كان مديري في العمل في ألمانيا، تحدثنا عن فلسطين وإسرائيل وكل الخطابات المكررة والمخبأة وحكايات الطرف الآخر. ظهر النهار ذاته، أخبرني برفيسور السياسة الخارجية الذي يصر أن يسوق اسم منظمة التحرير كمثال على الإرهابيين التقليديين. أخبرني أنه يقدر عاطفيتي وأنا أدفع للاتجاه الآخر في رواية الحرب الأميركية على العراق. علي أن أعي بوجود الرواية الأخرى لكل شيء، أنهى الحديث.
مساء النهار ذاته أتفق مع صديقة سورية أن نطال ماضيها في حلب وإدلب وبرزة دمشق لنسجله على هاتفي المحمول لساعة كاملة. بعد عامين في نيويورك تعلمت لبنى أن تقدم ماضيها كسباق سلس لقفز الحواجز، “قصة طويلة لأختصرها” تقول، قبل أن تذكر عرضياً أنها شهدت مقتل صديق تحت الطاولة، قرب حي الزبدية. “الوطن هو المكان الذي أرتاح فيه،” تكرر.
صباح الجمعة هنا، قهوة أخرى، ومهمات لن تنجز لكن ألهث لإتمامها، كتب تصطف في زاوية غرفة العلبة كما يصطف إحساسي بالذنب أن لم أبدأ قراءتها بعد في زاوية الحنجرة.
“الوطن هو أن لا يحدث هذا كله.” أختصر غسان كنفاني لماثيو في مترو من بروكلين إلى مانهاتن.
Advertisements