ابتلال

تفشل كل المظلات، الحقائب البلاستيكية وأحذية كلارك الباهظة أمام مطر هذه المدينة. بنطالي المبتل حتى منتصف الفخذ، وسماعات هاتفي التي توقفت عن ترنيم جيمي سميث في منتصف الطريق، يمكنها أن تشهد بذلك.
رائحة مكتب والدي القديم، رائحة غبار كتب أهملت، تعتلي أطراف أصابعي وأنا أتوه بين أزقة مكتبة ليمان اللامتناهية هنا خلف كلية الحقوق. يسخر من بلاهتي نظام ديوي العشري. يضيع الرقم ٣٦ على الرف HQ1236. لا أحتاج الكتاب فعلاً، أعترف أمام الصفوف الغافية، لكن أكره البحث العبثي في نهار أحد ماطر، مع ما تبقى من قهوتي الفاترة في الفنجان البلاستيكي.
كتب عن النسوية، والنساء في كينيا وتنازنيا والكونغرس، عن دورهن في التنمية والعملية السياسية وبناء الوعي. تصفعني حموضة القهوة التي حضرتها على عجل، وكل الكلام الغافي بين دفات الأغلفة المنمقة على الرفوف الحديدية. يمكنك استحضار المصباح الكهربائي لخمس عشرة دقيقة فقط. يمكنك أن تطهو بحثك عن الكتاب المفقود. يحضرني امتنان لكل الوجوه المقبوضة في مكتبة الأسد، لكل حجز مؤقت لحقيبة ظهري بينما أطلب أعداداً قديمة لأرشيف جريدة تشرين، لكل الانتظارات على المقعد الجلدي الطويل في صالة استقبال الواسعة، لكل الأوراق المطلوبة كي تحصل على بطاقة طالب. في مكتبة الأسد حيث أمضى والدي طفولتي وبضع مراهقتي، تترك الكتب لموظفي المكتبة فقط، وبعض ممن أسعفهم حظهم، صبرهم أن يتقنوا انتظار الكتب الميتة.
في نيويورك يمكنني أن أصل لأطباء محتجزون في مشافي الموت بحلب، يمكنني أن أقنع الأمهات في داريا قبل التهجير أن يحدثنني عن الجوع المختبئ على الأرصفة، من هنا يمكنني أن أبحث عن دمشق في الملاهي الليلية وقصص الأغنياء الجدد. لكن في نيويورك أفشل في إقناع أي بروفيسور في كلية العلوم السياسية أن يمنحني عشرين دقيقة لنتحدث عن المراة الحديدية وسفراء الأمم المتحدة.
مازالت صديقتي تنتظر على الجانب الآخر من الحب، مازال الرجال في تطبيقات المواعدة كما تركناهم، مهملون، عبثيون، سذج. مازال الحب على الجانب الآخر من الحياة.
Advertisements

كابوس

استيقظت اليوم على كابوس أني عدت إلى دمشق، بطريقة ما، بخدعه وافقها الحلم، عدت لأرى شقيقتي، ووالدي، ومديري السابق في العمل.
 
في الحلم، غطى البلاط سجادة بنية تشبه تلك التي احتواها عمي في منزله القديم قبل أن يغادر مبنانا إلى الحي البعيد في المخيم، شارع صفد، مبتعداً خمس عشرة دقيقة مشياً. وقتها كان المخيم مدينة، وابتعاد البيوت ربع ساعة انفصالاً استحق أن أبكي عليه طويلاً في نهار الوداع الأخير.
 
في الحلم انتظرت أبي لأودعه مرة ثانية ولم يأت، أخبروني أن اسمي كموظفة حكومية مازال مسجلاً على الحدود، وأني أحتاح إذن سفر آخر، وتسع تواقيع أخرى. في دمشق الحلم، كان علي أن أختبئ في حقيبة كبيرة في حال تفتيش مفاجئ، أن أتحاشى ذوي اللحى المشذبة والبطون المرتاحة على الأحزمة العريضة. هناك، عجزت وثيقة سفري الالمانية عن إخراجي من الصندوق مرة أخرى، علي أن أبقى للأسبوع القادم على الأقل، ألا يعلم أحد أني هنا. أنتظر ابي طويلاً ولم يأت.
 
أتلفت حولي في الغرفة المبعثرة، أغلفة الطعام المكدسة، حقائبي على البراد الصغير، كل الأوراق المفترض بي قراءتها، السرير المتكئ على ذاته كي لا يكون مريحاً أبداً. أستيقظ على واقعي، لأردد، الحمدلله كان حلم، الحمدلله كان حلم.
 
في دمشق الحلم، لا عمل، لا مهمات لانهائية تنتهي بماراثون يتكرر كل أسبوع، لا مشواير مسائية أؤجلها يومياً في أمل ساعات إضافية. في دمشق الحلم، خوف قديم، عائلة ابتعدت عنها، ودفء سجادة لم نعلم أين انتهت.