تعثّر..

اليوم لم أعد هناك.

أخبرتها بالأمس أني لا أستطيع حتى الآن أن أكتب عن منزلي قبل النزوح، ألا أتحدث عنه دون دموع، دون أن أشعر أني ضعيفة، وسخيفة ولست جديرة بهذه الحرب. كانت تتمنى لو أنها بقيت عندما هرب الجميع، مازال الذنب ينقر خاصرتها كلما طالعت خبراً عن البلد الحزين. صارحتها أني لم أشعر بالذنب أبداً، لم يحصل أن شعرت به مذ هربت. هربت، غادرت، أطلق سراحي، لا أدري، لكني أفضّل مفردة غادرت في رسالتي التعريفية على لوحة الإعلانات في المنزل هنا. “غادرت سوريا في خريف أيلول عام ٢٠١٤” لا أسباب، او ظروف أو أي تفصيل قد يدفع أحدهم أن ينقر خاصرة بابي في الطابق الثاني ليسألني المزيد. 

أعود لتدويناتي في برلين وأشك أني حقاً دونتها، لم أقترب من الكلمات مذ أيار الماضي، وأخجل من بدء حكايات هنا تذكر أسماء الشوارع المسترخية، المدينة المجنونة، أستحي من كتابة نيويورك بالعربية ذلك أن تخيف رومنسيتي، تجعل حكاياتي أسخف.

في النهار الجامعي الأول بعد تعثر ثلاث سنوات، أمر على مقرر محاضرات السياسة هذا الفصل وأذهل. لم أستطع إلا أن أجيب عميد الكلية على سؤال “ما انطباعك الأول عن البرنامج؟” سوى بـ “واو” ضحكت عالياً حتى أخبرتها أني سعيدة وحزينة في هذه اللحظة معاً. “أني هنا حقاً، لم أرسم أن أكون هنا حتى في الحلم، أحزن أننا لم ننل تعليماً كهذا في بلدي”. صمتنا دقيقة قبل أن أسألها تفاصيل دفع أقساطي هذا الفصل.

تنتهي الصفحات اللانهائية على طاولت زملائي بدقائق، لأمر على بضعها حبواً. مازال يصر أبي أني صرت أتحدث الإنكليزية كالعربية، ولم أنجح في إقناعه أني مازلت “أحجل”، ولا أعلم إن كنت سأرقص في النهاية أبداً. هاتفت أمي قبل ليلتين لأشكوها كل مخاوفي وأسابيعي المكتظة القادمة، لم يحدث أن تكلمنا طويلاً هكذا، لوحدنا، مذ كان تغسل شعري في شهر الامتحانات في حوض المطبخ. كنت أتجنب هدر دقائقي في الاستحمام، وكانت أمي تنتهي من شعري سريعاً. أؤجل تلوين شعري للنهار الرابع، ربما سأصبغه هذه الليلة. طلب مني أن أكلمه عبر “سكايب” وأنا أفعل هذا، هو من أصرّ أن جذوري باتت واضحة، وأني دونها سأبدو أفضل.

“حرب عنا هون تحت البيت، خربانة.” لم تنتهي الحرب بعد، وكل ما يحكيني عنها هو اسمي، لكنتي وبضع قصص مازلت أرويها.

Advertisements