لا تشبه إلا أنت

كتبت قبل خمسة أعوام أن أنت “كالقهوة تماماً، كل صباح تغريني رائحتها، أعلم أني بعد سهر طويل أحتاجها، لكني أدركت مذ زمن مرارتها، أشمها من بعيد دون أن أفكر حتى باحتسائها”.

لم تعد القهوة تغريني برائحتها بل بحاجتي لها، رغم أني أقلعت عن السهر، حتى في ليالي عطلة نهاية الأسبوع. كنت قد صارحت مديري في العمل أني مذ صرت أخلد للنوم مبكراً كالأطفال، أو العجائز، صرت مملة. النهار ليس لي، لكن كانت ساعات الليل كقطة امتلكت أطرافها، كان الليل يحتمل، لا ينام، يسهر معي على الطاولة المقحمة في الشرفة الضيقة. ليست القهوة صديقة وقتها.

غادرت استيقاظات القهوة في دمشق دون أن أحتسيها، لم تعد طقساً هنا، بل زراً في الآلة المزعجة، النائمة، تبصق السائل الأسود تململاً. لم تعد كالقهوة لأني استطيبت مراراتها، لأنك لستها، لأني يا عزيزي لم أعد أشبه الحب بعقاقير الكافيين، لم أعد أكتب خلف سقف الطاولة.

في الكتاب الذي أنهيته قبل أيام، تكتب شافاق عن الحريم في رأسها. أعترف تماماً بوجودهن عندي أيضاً. لكن لسن عقلات إصبع صغيرات بثرثرات متخلية. هن صديقاتي القريبات اللواتي لا تشبه إحداهن الأخرى أبداً. تشبه كل واحدة منهن أنا دون أن تتوافق مع الأخرى. يختلفن تماماً، كما تتباين أحاديثي مع كل منهن ومزاج شكواي لهن. أترك برلين قريباً وأنا أحأول أن أجمعهن كي لا تكن وحيدات بدوني. يمكن لكل منهن أن تكن صديقات صحيح؟ أقرر أن أجلسهن معاً كي أشرح لهن قصة الحريم في رأسي، في سجل المكالمات في هاتفي.

مازلت أخبر دماغي بعد حفلة السبت الماضي حتى الفجر، أني متعبة. اعتذرت من زميلي أني لا أفهم الألمانية صباحاً قبل القهوة الثالثة، وأني هذا الاثنين احتاج جهداً إضافياً. سهرة السبت الأولى في برلين مذ أن قررت تجاهل سمعة المدينة الصاخبة. أقترح زيارة النوادي الليلية لكل صديق يبيت بضع ليال في منزلي، رغم اعترافي فوراً، أني لا افضل الابتعاد سريري مساء السبت، وأن اقتراحي يأتي من باب مسايرة الكليشهات حول برلين وحسب.

أخطط لعيد ميلادي الخامس والعشرين بحماس مفتعل، حفلة شواء في حديقة فولكس بارك، أو على أسطوح منزل صديقي، في بار مختنق بنيكولن أو على مائدة مزدحمة في المطعم اللبناني الباهظ. للجميع خطط ومواعيد مسبقة، وعلي أن أدعوهم قبل ثلاثة أسابيع على الأقل. أو ربما افضل الاحتفال وحدي مع كيكة جوز هند وشمعة واحدة. عيد ميلادي الخامس والعشرين دون أن يعني شيئاً سوى أني ربما انهيت نصف عمري، إن تمكنت حقاً من العيش خمساً وعشرين عاماً أخرى. ربما.

Advertisements

هل مازال الحب واقفاً على ناصية الانتماء السياسي؟

في بداية ٢٠١٢، اعتذرت صديقتي من رجل تقدم لخطبتها، لاختلاف الولاء السياسي. أذكر جيداً كيف استوضحتها بسذاجة عندما أخبرتني أن عائلتها أيضاً لم تستطع معه إكمال الحديث. أنهم إن لم يستطيعوا الاتفاق على مثل هذه المصيريات، كيف سيبنون عائلة معاً. وقتها أضاف الدمشقيون متطلبات جديدة على قائمة المفروض والمقبول في عالم الزواج التقليدي. مازال معظمها قائماً اليوم مع إصرار بعض العائلات على عدم تزويج أبنائهن، لفلسطينية، أو درعاوية، أو تلك التي كانت لرجل آخر قبل العريس الجديد. صديقتي تلك حاولت أن تتزوج غيره دون أن يفلحا، ولم أعلم إن كانت مازالت تبحث عن رجل ثائر.
اليوم في تجسسات النهار الدافئ على فيسبوك، تزوج صديق “معارض” من صديقة تضع صورة أمين حزب الله على ملفها الشخصي، وصديقة أخرى استبدلت صورة العلم السوري بأصابعها المحلاة بخاتم ألبسها إياه رجل يعلم الجميع أنه منع دخول دمشق. الراحلون في كل دول اللجوء، والعمل والهجرة، اعترفوا بتغاضيهم الغض هذا، حيث بات الوطن الغريب يعوم فوق المطبات كلها.
قبل أربعة أعوام، في قصة قصيرة كتبتها عن حبيبن افترقا عندما سأل الحب لمن الوطن؟ لم يعد السؤال مهماً، أو هكذا أجبت المراهقة البرلينية اليوم عندما سألتني إن كنت أرى حدود سوريا المستقبل هي ذاتها مارسمها الأوروبيون. هي تظن أن سوريا “كدولة مركبة” لم تكن لتنجح على أي حال، مع كل الطوائف والاثنيات التي تنام فيها. يمكن للبنان ان يصبح عشر دول على هذه الحال، وكان للولايات المتحدة أن تقتسم بين البيض والسود، إذ لم يكن لينجح مفهوم الدولة بين بشر مختلفون تماماً في كل شيء، بتهكم أجبت.
ينتظر صديق أميركي البارحة من برلين حزيران القادم “Summer Romance”، كأطباقه الفارسية المفضلة التي تقدمها ربة منزل إيرانية في غرب برلين، يمكن للحب أن يأتي على القياس تماماً، مع مدة صلاحية معينة، وتعليمات استخدام واضحة، أهمها التوقعات المشتركة من العلاقة المطلوبة. وهنا أقصد “the ordered relationship”. حب لزيارة البحيرات المشمسة في النهارات الصيفية القليلة، لمشاركة حفلات التكنوميوزك الصاخبة في مهرجانات الكحول والماريجوانا. حب يجيء حتى يأتي الخريف، ليبدأ العام الجديد، في مكان آخر، مع طلبية رومانس أخرى.
تحرجني هذه الطلبيات مازالت، رغم انتباهي إلى ضرورة الاحتفاظ بوصفة استخدام أي طلبية عارضة، مع قراءة قائمة الأعراض، والآثار الجانبية، والمضاعفات الدوائية. مازلت اعتقد أن بعض الحب، كحبوب الانتيهيستامين، يمكن تناولها كل ربيع، دون وصفة طبيب. يخجلني أن أسأل شاباً في بداية موعد رومانسي، ماذا يريد؟ لم تعد أمراض القلب مزمنة لتحتاج دواء يبقى طوال العمر جانب السرير. تتغير شهيتنا للحب، كما مزاج معدتنا كل مساء. حب للصيف، للشتاء، ولعطلة نهاية الأسبوع. حب لمتلازمات “In security ” والخوف من الوحدة الطارئة، والمساءات المملة. حب ينتهي ككتاب لإيليف شافاق تحكي فيه عن اكتئاب مابعد الولادة، ذاك الذي توقن جيداً أنك لن تقرأه مرة ثانية أبداً. حب تبدأه لأنه سينتهي، ولأنك وضعت على روزنامتك أعمالك موعد انتهاء الحب الجديد.
أخجل من مصافحة الحب كزائر غريب، أخاف دعوته لأن يبقى أيضاً. لكن أدرك أن تجاوزت الحرب في من يمكن أن أحب منذ زمن طويل.