هشاشة

أصر يومياً على اصطحاب حاسبي المحمول في حقيبتي المثقلة أصلاً بكتب الالمانية، جزداني المطرز، مطري الأيدي، ثلاث أعداد من المجلة ذاتها، وإيصالات، إيصالات بطاقات المواصلات، ومتجر الأغذية، والقهوات السريعة. أتجنب منذ أسبوع، أو أشهر، ان آلف جهازي المكتبي على الطاولة الفسيحة، ولوحة المفاتيح المعقدة، وتطبيق البريد الإلكتروني الأبله. آلف فقط آلة تصنيع القهوة، والمحارم الشفافة في دورة المياه، ووجهي المتعب على واجهة المحلات قبل أن أصل صباحاً. عدا ذاك، أتجنب أن أعترف بإمكانية اعتيادي له.
يدي تؤلمني، وكان مفصل رسغي الأيمن يؤلمني في دمشق أيضاً، لحمل الحاسب المحمول الأقدم، يومياً من جسر السيد الرئيس حتى بداية ركن الدين، أو طلعة الإسكان في دمشق. كنت أظن دائماً أن الرسغ أكثر تحملاً من لحم الكتف. يمكنها أن تعتل الكثير دون ألم مدلل. وكنت مخطئة.
في دمشق، كنت أحمل السجاد المغسول على سطح منزلنا وأمي تصرخ أن جارتنا أصيبت بالديسك بالطريقة ذاتها، كنت أحمل أكياس الخضار السوداء من نهاية سوق الشيخ سعد إلى مدخل المدينة الجامعية حيث كنت أبتاع طعاماً للبراد كله، ذاك الذي لم أستطع أن أساعد من تطوعوا لحمله عندما ابتعته مع اعترافي بطول إقامتي القسرية في الوحدة عشرين. لكنت قد حملت الميكروييف من منزلنا في المخيم لوحدي، مع صندوق بلاستيكي أحمر وضعت فيه الصحون والملاعق وماتبقى من مؤونة لم تتعفن تحت مجلى المطبخ الجديد. في ذلك النهار، بالضبط في الزيارة الثالثة لبيتنا بعد النزوح، حاولت أن أصطحب البيت كله. عدة المطبخ، الوسادة، ماتبقى من الملابس، السكر، زيت القلي، وعلب الفول التي كنا قد حصلنا عليها من إعانات الأمم المتحدة.
في برلين، تبدو الأحمال أخف، أكثر انسيابية وإنسانية. طاولة مكتبي السوداء، درج الجوارب الكبير، ورفوف المكتبة التي أعدت تفكيكها وأودعتها القبو بعد أشهر. لوحدي. أكياس الطعام باتت قماشية، لكن مازلت ثقيلة، علب الحليب الرخيص. أحاول ابتياع الأشياء بكميات أقل للمساءات ذاتها، لكن يزعجني إحساس ببرجوازية برغماتية لا تشبهني. أن أشتري موزة، وعلبة لبن صغيرة واحدة، وحساء مجمد لغداء الغد في الأمس. تشبهني الأكياس المكدسة أكثر.
تثقلني المقارنات اللانهائية. يؤلمني إحساسي بالألم أكثر من الوجع ذاته. الألم هو ضعف أعجز عن استخفافه، تجاهله، أو استغراب البكاء منه. الألم إنساني أكثر مما باتت مشاعري تجاه معظم الأشياء. يدي تؤلمني وليس من الكتابة هذه المرة. تؤلمني ولم أنم عليها منذ أشهر. تؤلمني ولحم كتفي وحقيبتي تتجاهل كل هذا وتحملني المسؤولية. أن ليست المساحات يجب تعبئتها بالضرورة، للفراغ مساحة أيضاً. للفراغ لا ألم.
Advertisements