عن العزلة والنزوح

يشعل المصباح الطويل ليطفئه .. محاولاً فهم الآلية التي تجعل زمن اشتعاله أبطأ من مدة انطفائه .. لعشر دقائق يتأمل المصباح الوحيد الذي مازال صالحاً في الغرفة .. مستسلماً لفكرة أنه يكره الفيزياء..

يتوجه لسريره المعدني .. من الغريب كيف يفضل صريره الصدئ على كل أسرة المنزل الفارغ .. يوجد ثلاثة أسرة أخرى .. في غرف ليس فيها مصابيح معطلة .. لكنه قبل أسابيع قرر أن تلك ستكون غرفته .. لم يحاول إضفاء طابع شخصي عليها .. ذلك أنه لا يمضي فيها اكثر عشر دقائق واعياً قبل أن يترك تأملاته الفلكية على الطاولة الصغيرة .. بجانب السرير الأبيض ..

تحت وسادته السميكة بضع أوراق مهملة .. تذاكر الباص بضع فواتير صغيرة .. وتذكرة القطار الأخير .. قبل أن يتوقف كلياً عن العمل .. لم يدر لم احتفظ بها تلك المرة .. وكأنه أدرك أنها ستكون الأخيرة .. ربما لأن المفتش لم يمزقها ايضاً .. بلصوصية طفولية فكر باستخدمها في المرة القادمة .. ولم تكن هناك واحدة ..

يطرد فكرة أن المحطة في دمشق باتت في المكان الآخر .. حيث لا أحد .. ولا مكان .. أيضاً في المدينة الأخرى .. ليس حال القطارات افضل .. المهم لن يفكر بأي شيء سيء .. لا يحتاج هذا قبل أن ينام .. عله هذه المرة يفعل ..

يمسك الهاتف الذي اشتراه قبل اسابيع ايضاً ..

يطلب رقماً لا على التعيين .. المهم ان يبدأ بالأرقام الأربعة الأولى .. لا أحد يجيب .. يجرب رقماً آخر .. يحاول ست مرات قبل ان ترفع السماعة .. ليجيب أحدهم : “ألو .. مين؟”

يغلق الهاتف .. يصمت .. يمسح عينيه مستنكراً دمعة مباغتة ..

يبحث عن الرقم الذي كان قد طلبه تواً .. يسجله على هاتفه المحمول ..

يهذي الهاتف الأرجواني برنينه حتى يتعب .. يرفع السماعة .. يعود لإغلاقها .. يضع الوسادة الزرقاء على وجهه .. حتى الصباح ..

Advertisements

عن عيد المرأة .. متأخرة بيوم

“كان نهاراً سخيفاً”، أخبره باستخفاف مضحك، يضحك. لم يعرف قبلاً أن يمكنك أن تختصر جواب سؤال كيف كان نهارك بكلمة سخيف. أمضيت مواعيدنا العشر الأولى وأنا أخبره عن نهاراتي الجميلة، المسالمة. النهارت المتعبة، المليئة بالانجازات المحققة أو قيد التحقيق. الأيام التي تستحق أن تخبر عن تفاصيلها حتى لو بدت مملة، يمكنني دائماً أن أسردها بطريقة تجعلها تخفف من نمطيتها، من كونها نهارات عادية أخرى. لكن البارحة لم يمكن كذلك، كان بكل بساطة نهاراً سخيفاً، آخر؟ لا أدري. متأكدة أن النهارات السخيفة هي جزء اساسي من الحياة السخيفة أو المهمة التي أعيشها. لكن يحدث أن تمر سخافة معظمها ملتبسة بسخافة أشياء تتضمنها، كعمل سخيف، لقاء سخيف، كتاب سخيف تقرأه بنهم في المترو أو حتى أشياء سخيفة كنت تنتظرها وتجاهلت هي موعدها بسخافة رائعة. يحدث أن تلوم هذه الأحداث الصغيرة لاحتلالها كرسي نهارك الذي كان من المفترض أن يكون عظيماَ، رائعاً، تاريخياً. أو على الأقل ليس سخيفاً على الإطلاق. لكن البارحة لم تستطع أي الاشياء التافهة أن تتحمل مسؤولية سخافة النهار كوحدة زمنية دقيقة من حياة يفترض، أو أخطط لها أن تكون طويلة. عظيمة، رائعة، تاريخية. أو على الأقل ليست سخيفة على الإطلاق.

ربما يتحمل النهار الذي سبقه، مسؤولية سخافة الذي تلاه. تذكرت في نهايته أن عليً تذكر تاريخه لأني سأخبر الجميع عنه يوماً ما.  أو ربما يتحمل إحساسي بسخافتي المحببة عندما رفعت يدي لأقوم بـ “HI 5” أخطأت توقعها من أحد المحررين هنا في المجلة صباح أمس بعد حديث لطيف من المترو إلى باب المطبخ. التعليقات السخيفة اللانهائية على محادثات أردوغان والاتحاد الأوروبي لإيجاد حل نهائي لنهر اللاجئين. “سيكون هناك دائماً طريق آخر، لا يدرك الأوروبيون ذلك أبدا”، أخبرت زميلة في العمل بعد ساعة غداء ثانية شاركتها إياها، فقط كي أخبرها كم كان النهار السابق ليس سخيفاً على الإطلاق.

يمكنني بكل وضوح أن ألوم معرض الصور الفوتوغرافية في السفارة الاسترالية الذي دعتني إليه صديقة مساء أمس. هل هي استراليا؟ الصور، وجوه الجميع المبالغ باسترخائها، الفلافل الاسترالي المشكل كبراز كلب في أوراق خس بيضاء. السياقات المفروضة على الصور لمنحها زخماً تدرك أنها تجهضه مع لحظات التلقيح الأولى. الخطاب الطويل الذي لم تستطع فيه إحدى المصورات بفستانها الذهبي وقصاصة الورق الخضراء من تذكر كل الأسماء الغير مهمة، السخيفة، الغائبة التي شاركت في جعل هذا الحدث السخيف. سخافة حقيقة اعتبار السفارة هناك أرضاً استرالية كما قال السفير. إذاً يمكنني أن أقول أني سافرت لاستراليا، والولايات المتحدة، وتركيا، والكثير من المرات سافرت إلى لبنان حيث كنت على أراض لبنانية ضمن الدولة الألمانية. يمكن أن تستخدم جملة السفير تلك كحبكة صفراء لإحدى سكتشات ياسر العظمة. الرجل ذاته الذي كان يتبجح بأنه تلقى لكمات من مرافقي مسؤوليين مهمين في الدولة، يمكنه في حلقة رمضانية أخرى أن يخبر الجميع كم دولة وطأت قدمه وهو في أحضان الوطن. شخصياً أخاف السفارات، والمطارات ومواعيد القطارات الدقيقة. أخاف السفر، رغم صدق حماسة مخططاتي في زيارة برشلونة هذا الصيف، أو المغرب، أو تركيا. لا أعلم. أريد أن أسافر كما يفعل الجميع. رغم أني أكره السفر، وأحب برلين.

آه .. الآن تذكرت، البارحة كان يوم المرأة العالمي. ويصبغ الاسم سخافة لونية على اليوم الآذاري. سخافة الجميع وهم يحيون المرأة العاملة، المكافحة، الأم. المرأة التي تلقت قرنفلة أو جورية بيضاء في هذا النهار بالذات. المرأة التي لم تعلم أن يمكنها أن تثور لكن ثارت على كل حال، “لأنها احتاجت ذلك”. المرأة الرجل. المرأة التي لا تنسى طلاء أظافر قدميها بالبنفسجي، قبل أن تذهب لتقدم عرضاً تفصيلياً في إحدى منظمات الـ NGO الكثيرة. المرأة التي لا تنتظر رجلاً، وتكتب للجميع أنها لا تفعل ذلك أبداً. المرأة التي يكتب عنها الجميع مستنكرين نسيانها أو تذكرها أو الحديث عنها في هذا اليوم بالذات. المرأة التي تعاديها المرأة أولاً. المرأة التي هي عظيمة لأن “هيك الله خلقها، ماحدا وراها”. المرأة التي جعلت والدها، وابنها وزوجها مقتنيات منزلية عائلية محببة.

قدم أمس نفسه كشيء خاص، كتاريخ معين، كإيفينت على فيسبوك سيعلم الجميع أني مهتمة به لكن لن أذهب إليه. كإدراك زمني واع، ليس كنهار آخر. قدم نفسه متحملاً سخافتي وأنا أكتب عنه في النهار اللاحق. أن بالأمس كان نهاراً استثنائياً ذلك أنه كان سخيفاً حقا.