المدينة بوجوه أخرى

أخرج من غرفة التسجيل مثقلة بتحليلات سياسية كثيرة، تلكأت في قراءة بعضها، ذلك أنها المرة الأولى، وبعض المقالات ثقيلة مفرداتها، صُنعت كذلك لتحمل الحدث.

يصدح هاتفي برنته الأصيلة من المكتب المجاور. يقاطع ضجيجه الأزرق حديثي مع مديري حول عدد القصص اللازم لإنشاء مجموعة. وأنا أعد قصصي القصيرة اليوم من ضمن مجمل كتاباتي، لاحظت أن ثلاثة أرباعها لك، عني بعد رحيلك، لأواسي ذاتي بأني «وكم كتبت لمن لا يستحق».

أجيب. صوت أنثوي مغرٍ. أخبرها أين أنا وماذا كنت أفعل، محاولة استدراجها بالحديث لأعلم مَن هي. لم أستطع أن أحدد هوية المتصلة، حتى أخبرتني: هل أنت على قدر التحدي؟ رغم أني لم أتأكد تماماً من هويتها وافقت، لنتفق بعد نصف ساعة قرب الـ«فورسيزنز». سينتظرني صديقها أمام الباب كي لا أتوه.

ألملم أشيائي على عجل، أنتظر ربع ساعة على حاجز «مشفى الحياة». لا أعلم إن كان من الجيد أن تعتاد انتظار الحواجز، لكن بعد محاضرة صغيرة لكاتب أميركي عن خسارة سعادتنا لمصلحة سرعة الحياة، أنتظر بحماس. لن تكون أمسية خميس اعتيادية، رغم أنه لم يكن نهاراً جيداً، فقد بدأ بلؤم الحارس على مدخل الكلية معي لعدم إظهاري هويتي. توقعت أنه قد حفظني، ولم يكن.

أمام الحواجز الإسمنتية وسيارة للأمم المتحدة، أسأل الحارس عن طريق الوصول إلى الأعلى، للبوليفار. يجيب بلطف أن أمشي من خلال الحديقة. أحاول ألا ألوث حذائي بالطين جراء العشب المبتل. حذاء ملوث سيكون آخر ما يمكن أن أحتاجه هناك. يكفي أني لم أحضر نفسي كما يجب. سأكون جميلة. أقنع ذاتي وأنا أتأمل محيط الفندق الأبيض وهو مدرّع بالكامل. أتوقع المبلغ الذي تدفعه الأمم المتحدة لاستئجار هذا المكان يومياً. أجمع البيانات عن مرتب الإبراهيمي الذي قالوا إنه يصل إلى ثمانين ألف يورو، وعن مرتب صديقتي الجديد الذي يصل إلى ألف ومئتي دولار.. تنفق الأمم المتحدة الكثير هنا، كي لا تفعل شيئاً سوى البقاء.

أصل المكان المذكور. لم أواجه صعوبة في ذلك. ليس لـ«لافتة» المحل الفضل في هذا، بل للحشد المجتمع دخولاً وخروجاً أمام الدرج الصغير. يرشدني صديقي إلى المدخل بابتسامة أراحتني، محاولاً تهيئتي للمكان في الداخل، ينبهني أني سأتفاجأ قليلاً، وربما أصدم. أؤكد له أني لن أفعل. أكذب. إنها ليست المرة الأولى لي. يعود لإعطائي بطاقته، محاولين التملص من رسم الدخول. يطلب مني أن أخبرهم عند الباب أن هذه البطاقة اشتراها لي صديقي المنتظر في الداخل. اقترح عليّ أن أغير بعض ملابسي، أن أخفف منها يقصد.

رفض أحد الشبان الوسيمين على الباب إدخالي، مؤكداً أن لا أحد اشترى بطاقة لآخر اليوم، وأن عليّ أن أدفع ثمن دخولي أو أن أكلم صديقي ذاك على الأقل. أخرج للشارع منفذة ما اقترح عليّ حرفياً.

تأتي صديقتي مع رجلها الهادئ، أعتذر عن مشاركتهما الليلة، متذرعة بأني لم أحضّر نفسي لهذه الدعوة المفاجئة. مظهر الفتيات المتبرج بشكل مبالغ فيه سيسيء لهندامي في الداخل. تحاول أن تقنعني أن لا أحد يعير اهتماماً هنا، لكن لا يمكنني أن أشارك الجميع فن الرقص من دون أن أستعدّ لذلك مسبقاً. تغريني الأغاني برمي كل ذلك الهذر والدخول، لتبقيني فساتين الفتيات القصيرة خارج المنافسة مع بنطال جينز مهترئ، ثم أني قد تذرعت برهابي من الأماكن المغلقة المزدحمة، ليلة خميس، ولا يمكن إلا أن نتوقع هذا. يقبلان اعتذاري بعد أن أكدت لهما أني سأكون معها الخميس المقبل بكامل أناقتي. يمكنني تدبّر أمر تصفيف شعري قبل ذهابي إلى العمل، لأسرع إلى الحفلة المشتعلة في هذا الجانب الآخر من المدينة.

هنا لا أزمة، لا قتلى أو جرحى أو مآسٍ تتعلق بأي منهما، لا تضخم أو غلاء معيشة، حتى ثمن التذكرة يبدو معقولاً، لا حواجز أمنية لا طموحات مقفلة، لا خوف، لا حزن لا صغينة، هنا لا دمشق بعد آذار 2011، كل ذلك أكد لي أني سأعيش التجربة الأسبوع المقبل، ليس لأرقص، بل لأرى دمشق كيف في ليالي عويلها ما زالت ترقص.

أودّعهما، يمسي حاسبي المحمول أثقل على كتفي الآن، أمشي محدثة نفسي أن بعض ما رأيته يستحق الكتابة، رغم أن ثلاثة أيام رهن الاعتقال لم تحرضني كي أكتب بعد، وربما لن تفعل. عشر دقائق أمام الـ«ديسكو» تصبان المفردات في ذاكرتي وأنا في باص النقل الداخلي متوجهة إلى غرفتي الضيقة في المدينة الجامعية. وجهان مختلفان كلياً للمدينة ذاتها، وآخر ثالث يحياه البقية متجاهلين ما يحدث. هي دمشق إذا بثلاثة وجوه رأيتها هذا الأسبوع فقط، لأحبها أكثر، لأحياها أكثر.

(دمشق)

نشر في “شباب السفير” ٢٥-٢-٢٠١٤

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s