اليساوي تحت اليساوي


كل مرة أعد الشاي أو القهوة هنا في مطبخ العمل، أحاول أن أتخلص من مكعب سكر إضافي خوفاً على أسنان تبدو في الخمسين من عمرها. أحاول أن أعتاد رفاهية استخدام السكر على شكل مكعبات. في الصف السادس، كانت قد أخبرتني يسرى صديقة المقعد الدراسي، والشارع المخيمجي أن السكر يأتي على شكل مكعبات حقاً كما يظهر في مسلسل الأطفال “ماروكو”، وأنها تذوقته عندما كانت برفقة والدها إلى الشيراتون في دمشق، في زيارة لأمير كويتي نجح والدها في لفت انتباهه بقصيدة مدحها به. أخبرتني أن السكر على شكل مكعبات له مذاق خاص، وأنها أمضت الطريق في سيارة الأمير الضخمة تمتص المكعب حتى ذاب. في ذات النهار، سألت كل البقاليات في شارعنا عن سكر مكعبات، لا يوجد. كان مجرد ابتياع السكر الأبيض بـ ٢٠ ليرة سورية للكيلو خارج المؤسسة الاستهلاكية ترفاً لا يطاله معظم سكان المخيم، أؤلئك ممكن كانوا يفضلون شراء اللبن “بالطاسة” ليوفر البائع ثمن الكيس البلاستيكي مضيفا غرامات كريمة من السائل الأبيض.

بعد عام، وفي زيارة مع والدي لمعرض دمشق الدولي، مررنا بجناح لـ “أحمد تي” حيث كان صاحب الماركة العالمية حاضراً بنفسه هناك. في النهار التالي، تبجحت أمام الجميع، وبالذات أمام ربى أني حصلت على ظرفي شاي “إيرل جراي” و”إنجلش بريكفاست”، لم تصدق متحدية إياي أن أريها إياهما في اليوم التالي. كانت أمي قد أعدت شاياً لأعمامي ذلك المساء، ولم أعلم متى وأين اختفت حتى مخلفات الظرفين اللعينين. كنت أكذب على كل حال، كنت أكذب في كل شيء، في امتلاكنا مزرعة في “داريا” كما يفعل والد “ساندرا”، وعماً في ألمانيا كما تملك “ميناس”، وأصدقاء كثر في حي بيت جدي في الطرف الآخر من المخيم. كنت أكذب في كل شيء، ولم يصدق أحد أن قصة ظرفي الشاي ستكون استثناء أبداً. ظلت ربى تسألني عنها، حتى طلبتٌ من ساندرا أن تخبرها الكف عن ذلك.

في الترتيب السادس على صفي دائماً، أو بالضبط مذ أن غادرت الترتيب الواحد والعشرين في الصف الثالث، نعم يمكن أن تستمر تراتبية الأفضل لمشارف العشرين. عندما قررت معلمتي فريال أن تثبت للجميع أن طلاب المدراس الحكومية “حمير” إذا ما قورنوا بطلاب مدراس وكالة الغوث. لم تحتج كثيراً لتريهم ذلك، مع سؤالي في اليوم الأول بعد وصولي إلى مدرسة نمرين، عن معنى جملة “اليساوي تحت اليساوي”، في البداية ظننت أنها تريد أن نخط شرطتي إشارة المساواة = تحت بعضهما في حصة الرياضيات. تجاهلت الآنسة فريال صحة العمليات الحسابية التي حللتها، لتوبخني طويلاً، أني لم أضع اليساوي تحت اليساوي، في كل العمليات الحسابية. كانت تعني أن نضعها تحت بعضها في كل عملية حسابية على حدة. الغالب أن أحداً منكم لم يفهم ذلك أيضاً. لا يهم. لكن في ذلك النهار قررت أني أكره الرياضيات، ومدراس وكالة الغوث وفلسطينيي الطبقة الوسطى، التي لم أكن قد صرت منهم بعد، والآنسة فريال سلامة، وطالبتها المفضلة لجين. ظل اسمها على لسان والدتي حتى تخرجت من الجامعة، أن عليّ أن أكون الأولى في التاسع والبكالوريا، والجامعة، فقط كي أثبت للآنسة فريال أني ذكية، ومجتهدة، وأني أقلعت منذ زمن طويل عن التبول في نومي. بالضبط مذ شاركت هذا السر الذي لا أدري لماذا أطلعتها والدتي عليه، أمام الصف كله.

الآنسة فريال كانت تحرص على نظافتنا الشخصية، ولهذا كانت تهددنا يومياً أن ستفتش على نظافة ثيابنا الداخلية. أنها ستطلب من أم خالد مستخدمة المدرسة أن تقفل باب الصف، ليتعرى الجميع، لنريها أن “الكيلوت” نظيف. عمار ابن آخ المعلمة التي لم يكن لديها أي أطفال، على عكس أولاد مدراس البنات المدللين، كان منبوذاً حقاً مع علامات الحزام على ظهره التي أجبرته عمته أن يريها للجميع، أمام كل الفتيات، أنه عقاب من والده على ذنب لم أعد أذكره. الآنسة فريال كانت تتوقع هدايا مميزة في عيد المعلم، ولم تكن الحمامات الخزفية مع الشمعات البيضاء التي ابتاعتهم والدتي من شارع لوبية، كذلك أبداً. في المقابل، ولأني كنت في الترتيب الواحد والعشرين في صفي، حصلت في نهاية العام على مقلمة مدرسة بلون كحلي، وبضع أقلام. لم يكن البيانو الإلكتروني الصغير الذي وعدتني توقعاتي أنها ستهديني إياه.

يسرى تزوجت في الصف الحادي عشر، بعد أن رسبت مرتين في الصف العاشر. ولجين درست الاقتصاد رغم أني انتظرتها والدتي أن تدرس الطب. فريال سلامة أصابها مرض السكري، واستقالت من الوكالة بتعويض فلكي. لم أعد أشارك أمي بأسرار ربما تطلع عليها الجميع. أهرب من الرقم ستة أو الواحد والعشرين. عمار استقر في السويد، وداريا لم تعد تصلح للمزارع الخيالية. بت في ألمانيا التي لم أتوقع أن روايات الطفولة المختلقة حولها ستتماهى مع واقع اليوم. أحياناً أفكر، كيف أخبرتهم أني سافرت لمدرسة داخلية في المانيا، وأنا لا أتحدث الألمانية. أتحدث شيئاً منها اليوم، ولم أعد أكذب. أو لا أكذب اليوم هرباً من عقد طبقية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s