غاردينيا وقهرية الأفضل

أمضيت مسائي أناقش مع صديق أي الأزهار هي المفضلة لدي، احتجت بعض الأمثلة لأقنعه أنها مشكلة حقيقية، أن تمضي مساءاتك وأنت تفاضل بين أسماء الأزهار كي تختار الأجمل، الأكثر حضوراً أو ربما تلك التي تتجاهلك كي تحبها حقاً، كما نجح أحدهم بذلك معي .. أخبرني أخيراً أن علي تدوين ذلك .. “أكبر مشاكلي بعد أن هربت حرباً طازجة”.

أقدر تماماً إقلاعك عن إكمال المادة إن كنت مهتماً بمطالعة أخبار التحرش الجنسي في كولونيا، وصوت الانفجار الأخير في المزة، المجاعة في مضايا ودير الزور، أو إغلاق النمسا حدودها في وجه اللاجئين.

مشاكل الاندماج التي لا تنتهي، إلى اللغة التي أعجز عن سبكها، حتى ألم ظهري الذي أقعدني عن الجلوس طوال النهار في المكتب الممل. أضع كل هذا على إحدى الرفوف مع أكياس البهارات المكدسة دون استخدام أياها. لأعد عشائي وأنا أشرح له لماذا لم أستطع حتى الآن اختيار زهرتي المفضلة.

ليس الأمر بالسهولة التي يمكن لأحد أن يتوقعها مع بساطة الأزهار المفتلعة. أن تفضل شيئاً يعني أنك قد رأيت الأشياء الأخرى، جربتها. ليست كلها على أي حال، لن تستطيع. لكن على الأقل، لديك ما يكفي من المعرفة لتعلن بكل وضوح أن هذا هو الأفضل، برأيك بين المتاح. عندما نفضل الأشياء، نحتاج التأكد أنها لن تتغير باختلاف الظروف والأماكن، والتجارب المعاشة. أن تمتلك المفضل الأبدي، المفضل الكامل، ليبقى هو وتذهب أنت، لتتذكر صديقة وهي تبتاع إحداها، أن آه كانت تلك المفضلة لـ س أو ع. سألني صديقي، إن كان “عليً” أن أختار مفضلة حقاً، ولم أجد المفردات المناسبة، الجهد أو حتى الاهتمام، لأقنعه بمفصلية تحديد إحداها.

الياسمين، وبالطبع عليّ أن أبداً بالحديث عنه كدمشقية. أحسست بالامتعاض عندما أخبرني خافيير، الصديق الكولومبي أن الياسمين هو المفضل لديه. كنت أظن أن الدمشقيين فقط يفعلون، ولهم فقط يتطاول الياسمين، أو يحمل عطراً حقيقياً على الأقل. نعم يمكن لبعض الكليشهات أن تحتفظ ببعض ما يمكن أن يحملها الجميع به. أحب الياسمين، بعيداً عن عرائشه على جدران المساجد ومنازل الميسورين في القصور والبرامكة وكفرسوسة. زجاجاته الصفراء التي اعتادت زوجة خالي أن تهديها للجميع في عيد المولد النبوي مع صرر الملبس الفضية. حدث ذلك قبل أن تغادر دمشق لتستقر في بون، ألمانيا. تاركة كل العلاقات، زجاجات العطر الرخيصة، وحتى أشرطة الكلاسيت الزرقاء لمشاري العفاسي التي كان يتبجح زوجها بامتلاكها، أو بامتلاك زوجه متدينة بالقدر الذي يحب أو لا يحب لكن يفضل في الحقيقة. لا أدري إن تجاهلت كل ذلك أيضاً مع عالمها الجديد هنا، كما فعلت مع رقم هاتفي الذي لم أغيره منذ عام تقريباً. يبدو اختيار الياسمين كلاسيكياً حقاً، وهو ما لا أفضل أن أقدم ذاتي لذاتي به. يحمل أثقالاً عاطفية وتاريخية أكثر مما تستطيع عرائشه أن تفعل حقاً. لا يمكنك ان تضع الياسمين ليعيش بضعه أيام في زهرية، يبدو مريضاً بعد ساعات فقط على قماش أبيض. غنت له ماجدة الرومي دون أن أفهم فعلاً ماذا يعني طوق الياسمين، ولماذا أهينت أنوثتها من الطوق الحزين. أشفق على الياسمين أكثر مما يغريني، ولا أدخل في حب بدافع الشفقة، أنا أحبك لكنك لست “أنت”، أعتذر.

لا يموت التوليب بسهولة، عليك فقط أن تتأكد من إضافة الماء يومياً. يذكرك كل صباح أنه مازال بحاجة لاهتمامك ليبدو بهذا الألق، ولأني أحب12620879_1018030494937077_1088786272_o.jpg ذاك، من يحتاجني، استمتع بابتياعه أسبوعياً مع بداية تشرين الثاني، من بائع الأزهار الفيتنامي قرب منزلي. يمكنني الحصول على عشرة منها بثلاثة يوروهات فقط، إن نجحت في مغادرة مكتبي قبل السابعة، لأصل المحطة وهو يلم ما تبقى في دلاء معدنية قبل أن يغادر هو أيضاً. عند المحطة، قرأت هذا الصباح، أن متجراً آخر، لبائع يتكلم الألمانية، لكن لن يحدثك، تستطيع لديه الحصول على طاقتين بسعر خاص. لم أنتبه سوى مع عودتي مساء، أن العرض سار فقط على التوليب الأحمر والأصفر، أقصد البرتقالي إذاً، لا أدري من يفضل أن يشتري توليباً بلونين. التوليب جميل، لكنه يبالغ بمثاليته، هدوئه في المحيط، وتشابهه. كل التوليب الأصفر يبدو واحداً، لا يبذل أي جهد ليقنعك، بعض الغرور، البرود، يوقن تماماً أني في نهاية النهار، سأعود لابتياعه متجنبة أصنافاً أخرى لا أدري كيف أعتني بها. يمكنني أن أحبه، لكنمن الصعب أن أحافظ على علاقة دائمة يصر أحدنا على الاحتفاظ ببضع عجرفة فيها. أحبك، لكن أفضل ابتياعك بقرار واعٍ لا لضعف تجاهك، ولهذا بالضبط، لست المفضل أبداً.

الأقحوان، وتبدو أنثى حقاً بالإنكليزية، Daisies. مثالية على طاولات المقاهي الفارغة منتظرة عاشقين سيتجاهلان وجودها المحبب كلياً رغم إحساسهما بتنصت بتلاتها الهادئ. تفضيل غير عبثي لأن تكون زهرتي الأولى مذكراً، ربما كي لا تمسي صداقة باهتة مع الأيام. مسالمة بالقدر الذي لن أرغب في ابتياعها سوى في نهار ممل آخر، أصر على جعله وادعاً بالقدر المستفز. ماتت أقحوانه كتاب القصص القصيرة المدرسي في الصف السادس. كان قد ذهب أصحاب المنزل دون أن يتركوا بعض الماء للبلبل البائس، تجاهله الخزامى وكل الأنواع المصفوفة على السياج المشمس. ناجته الأقحوانه طويلاً، قبل أن يموت. لم تستطع حتى أن تقدم ساقها ليمتص ماتبقى من مائها. يموت الأقحوان من خيبات الآخرين، يعيش بذنب لم يقترفه، يعلم أنه ساذج، ولا يقدم تفتح بتلاته الكاملة على أنها طيبة مبالغ بها. هي سذاجة، وسلام فحسب.

الجوري مهم رغم أنه تقليدي جداً. المخيف أن معظمنا لم يفكر حتى كم بات كذلك. تجارية أيضاً. لماذا تشتري جورياً لفتاة تنتظر بعضه في عيد الفالنتين بالذات. الجوري هو الخيبات المتوقعة. والجورية الجيدة، تلك التي لم يقطفها أحد. الجورية الجميلة، تلك التي فضل الجميع أن يتركها للجميع، تلك التي خشي أحدهم أن يستأثر بها. الجوري غروره معتاد، وأملًّ العجرفة البسيطة، اللامتسلطة. الجوري يضنّ أن يشارك شذاه، ومن تحيد عن القطيع، تعلم أنها لن تنجو. الجوري كباريس، مدينة يعشقها الجميع، دون أن يرغب أياهم في أن تكون مدينته. مبالغ بتقديره، وفي نهاية النهار، محزن جداً أن تحتاج لابتياع شيء بهذا الجمال، كي تجعل يومك أفضل. كم بائساً حقاً يمكن أن تكون؟

بينما أقنع نفسي أن الأوركيد هو المفضل، أتوجس. الأوركيد غامض، هش، لكن متماسك في الوقت ذاته. يمكنك أن تمضي حياة تحاول أن تفهم إحداها، تحفظ أسماء أنواعها، دون أن تصلها. كيف تستطيع أن تتفتح دون ضجيج؟ أي الأوركيد هو المثالي لامتلاكه؟ لن يغادرك السؤال أمام أصص الأوركيد المصفوفة في المتاجر الغذائية. للأوركيد قصته الخاصة، عن جدة غادرت بلادها لأوروبا، حيث يعترف الكل كم هي جميلة، الكل سوى حيث هربت. الأوركيد بارد جداً وذكي كما يبدو سكان القارة العجوز. يؤلمها أن لا أحد سيدرك كم دافئة يمكن أن تكون. وبإهمال مفتعل، يضعونها على حافة نوافذ لا تزورها الشمس. لا تشتري أوركيداً متفتحاً، كي لا يموت سريعاً. وأن تبتاع تلك التي لم تنمو براعمها بعد، هي مخاطرة أكبر. ألا يكبر الأوركيد، وتحتفظ بمقبرة لرضيع زهرة. طاردت أرواح الزهرة البرية نيكولاس كيج في فيلم Adaptation ، وتجرأت ميريل ستريب في فيلم The Hours  أن تشتريها مقصوصة لتضعها في زجاجات كروية في الحفلة التي استهلكت نهار السيدة دالاوي لوداع حبيبها قبل أن يقتله انتظار موته من الإيدز. لم يقدم الأوركيد ذاته في أي المرات كزهرة بسيطة جميلة، يعي بالضبط ما يختبئ تحت البراعم من تعقيدات الحياة والموت. أستطيع أن أقول أنها زهرتي الأولى، لكن لا أدرك مزاجها وشخصيتها بما يكفي، لتكون كذلك.

أعجبتني الورود التي أهداها الملك عبدالله للملكة رانيا في عيد زواجهم الأخير. بدرجات الوردي، حملت الملكة طاقة ضخمة من ورود أجهل اسمها، تشبه التوليب والجوري معاً لكن ليست إحداها. بطابع ملكي، ذو قصر فقط يعرف أن يختارها لملكته في مناسبة خاصة. أردت أن أبتاعها لنفسي في عيد ميلادي الأخير، لكن كان ثمنها باهظاً، لم أشتري أياً. لا أدع ذاتي أقع في حب أي أحد، أي شيء أعلم أن لا يمكنني تحمل تكلفته.

حتى ذلك الحين، أبقى دون زهرة مفضلة، أو فيلم مفضل أو مكان مفضل في دمشق أو برلين. أصر على بناء التفاضليات لاعتقادي أنها الأفضل. أن احتفاظنا بقائمة عنها، يمكن أن يجنبك خسارات مستقبلية، أن تبتاع طاقة ورود لتكتشف لاحقاً أنك أنك تركت أفضلها لغيرك.

Advertisements

يطفئ الوطن

وكان يطفئني الحديث عن بلادي، عن دمشق، وعن غياب حل أو سلام قريب. مر وقت طويل على آخر مرة أثار المخيم فيها عيوني للبكاء، لم تعد قضيتي كذلك، وفي واشنطن أشعر بفلسطينيتي، ليس لأول مرة، لكن اليوم لست فلسطينية من النخب الثاني أو الثالث، ذلك أني أصنِّف لا واعية فلسطينيّ الـ٤٨ في القائمة الأولى، وفلسطينيي الأردن والضفة الغربية وغزة في الثانية. أما نحن من هربنا من دمشق أو من جنوبها أقصد، نحن في المرتبة الثالثة. لا بروتوكول مكتوب حول الموضوع، لكن ربما يعتمد معيار لا وعيي على حيازة جواز سفر إسرائيلي يفتح لك كل المعابر في فلسطين، أو إسرائيل.

كيف أزعم أني فلسطينية من النوع الأول وأنا لم أستطع أن أتصور كيف امتدت المستوطنات لتخنق قلقيلية كما كانت تخبرني صديقة من هناك اليوم. لا استطيع التبجح بهوية باهتة في مكان لا أدري كيف يعيش الناس فيه، حيث أمتلك كما كل العالم صوراً نمطية عنه. أغيرها اليوم مع كل الأحاديث والنقاشات، لأتعلم أن الناس في رام الله لا يعيشون على الزيت والزعتر، لديهم أعمالهم، ومشاريعهم وإحباطاتهم، كما نحن، نحيا حربان لا تنظران إلى مؤقت أو عدد حتى، نحيا حرباً اعتدناها، لنذهب إلى المطاعم والمواجهات في الشارع الآخر، في نابلس أو دمشق.

في المفوضية الفلسطينية هنا في “دي سي”، تفهم المستشار اللطيف “إحباطنا” من القضية الفلسطينية، والتخاذل العربي، والفلسطيني أيضاً، لكن يبقى “السيد الرئيس” بصورته التي علقوها إلى يمين “أبو عمار” عند مدخل المفوضية، بعيداً عن الصورة الحقيقية. هو حاول أن يخرج من مات جوعاً في المخيم، هم زاروا لاجئي اليرموك في لبنان والأردن. ولا طائل من محاولة الضغط السياسي على لبنان أو تركيا لتدخل الفلسطينيين بطريقة شرعية. تبدو أن الـ٩٠٠$ لتستقل حافلة من “البرامكة” بدمشق إلى إزمير، وأني لا أعلم متى ساتمكن من لقاء عائلتي مرة ثانية، وأني هنا في الولايات المتحدة لا أتطلع لشيء سوى تأشيرة دخول إلى بيروت، يبدو كل هذا مبرراً بالقدر الكافي، بقدر إحساسي بحماقتي أنهم في المفوضية استطاعوا استفزازي وأنا أخبرهم أن الضباط اللبنانيين عند نقطة المصنع الحدودية أخبروني أن لا يمكنني دخول لبنان لأن دولة لي، لا تمثيل سياسي أيضاً. وجدت نفسي مضطرة إلى تسويغ تكراري للأسئلة ذاتها، عن المخيم، ولاجئي اليرموك، وحق العودة “المسخم” وعدم تمثيلنا السياسي في أي مكان، كان من الضروري أن أخبرهم أن عمي عمر توفي في المخيم جوعاً، وأن لا مكان كالبيت الذي أدرك تماماَ خسارتي لكل مافيه.

يطفئهم الحديث عن فلسطين أيضاً، تواسيني إحداهن: “لا أتمنى لأي لاجئ فلسطيني أن يعود إلى الوطن وهي على هذه الحال، مالديهم من صورة عنها أنها الجنة أفضل من خيبة الحقيقية”. يدفعون المواجهات حيث يريدون، يغطون الأخبار كما يشاؤون، وما سمته بعض وسائل الإعلام بالانتفاضة الثالثة، لا يأتي التلفزيون الرسمي عن ذكرها أبداً. الظروف ذاتها باختلاف الاسماء والسقطات الإعلامية، هناك يكلمون والدة الشهيد ليحصلوا على “السكوب” وفي اللاذقية يهاتفون أخوات الشهيد ليس سكوب بالضرورة، لكن يمكن أن يملأ بعض الوقت على الهواء.

في فلسطين تود صديقتي لو تخبر الجيل الجديد أن حجارتهم التي يرمونها لن تقتل سوى سنين شبابهم في انتظار قائد جديد، في دمشق لا حديث عن مخلّص والسعودية تعتمد الأسماء في قائمة الإئتلاف. في فلسطين تلمَّع الشوارع كي يمر الرئيس. نواب الكنيست العرب لا يستطيعون أن يتحدثوا الإنكليزية، لكن مستفيدون تماماً من الديمقراطية الإسرائيلية، في دمشق يغيب الحديث عن ديمقراطية سوى في عرسها الأكبر في حزيران ٢٠١٤. في فلسطين بات محمود درويش وابراهيم طوقان “دراما” عاطفية لا أكثر، وعلى خالد خليفة وسمر يزبك ينتجون روايات عليها أن تحمل الحرب في عنواينها. في فلسطين يدافعون عن الرئيس كيلا يقطع المرتبات، لديهم أمنهم الوطني والوقائي وشبيحتهم أيضاً. في فلسطين يشفقون على من هرب من دمشق، يشفقون على من باغتتهم حرب لم يولدوا معها.

واشنطن – كانون الأول ٢٠١٥