عامي الأول في برلين

منذ عام تماماً، ودعت الجميع، أو لم أفعل حقاً، ذلك أن توجسي من اعتقال بتقرير كيدي أو منع سفر عبر الحدود السورية أو اللبنانية منعني من إخبار أصدقائي أني سأغادر دمشق. التقيت بأقرب صديقاتي، دون أخبرها أني ذاهبة، كانت تعلم، وانتظرت أن أصارحها لكن خوفي كان أثقل من أن أحظى بوداع حقيقي. لم يعلم أيّ من عائلتي أو زملائي في العمل بمغادرتي. همي الأكبر إجازة من الجامعة وإذن مغادرة، وبحجة زواج لم يحدث حصلت عليها بعد دموع رعب صغير.

في رحلتي الأولى جواً، غفوت طويلاُ، أبرز ماتخللها عصير الطماطم.  لم أتوقع أن أودع لبنان بطبق فريكة تناولته على الخطوط الألمانية إلى برلين. عام كامل على انعتاق انتظرت أن يسلب مني. على انبهاري الأول بارتفاع الأشجار هنا، ومزاج الخريف، وأن الهواء هنا دون رائحة، كما الشمس ومعظم المواد الغذائيةفي المتاجر. كانت الشمس أول ما شتقته في دمشق، لم يحدث هذا حتى آذار هذا العام. امتعض صديق مع اعترافي أني لم أشتق دمشق بعد، وأني لم أبك كما توقعت شريكتي في السكن بعد الحمام الأوّل في برلين. عادت مدينتي الجميلة بعد استراحة طويلة، باتت بعيدة، كما الحلم الذي لم يأخذه أحد.

ومازلت أقيس الفصول بإنجازاتٍ لا الذكريات، كان بارداً، حافلاً، فارغاً في الوقت ذاته. أحتفظ ببعض ما يثير اعتزازي أن دونته، تصبح الكلمات أصعب، يطول الصمت بين النقرات على الحاسب المنهك. أدرك أني صحفية للمرة الأولى رغم عدم تفضيلي للمفردة، كانت تستهويني “كاتبة” أو حتى “مدوّنة”.

لم يعد وجهي كما كان، وتلك التي انتقدها الجميع عندما أطلقت شعرها باتت مختلفة تماماً. لم تصدق أمي عندما أخبرتها أن لا اشعر أني ارتديته يوماً لأنزعه.

الصباحات مألوفة أكثر رغم ضيقها، الألمانية والانكليزية، وفلتر إعداد القهوة التي كنت أمقت مرارتها ورائحة الدسم المكدس في محطة القطار الرئيسية مع الهواء المضغوط.  شوارع المدينة قريبة دون أن تعرفني، وحتى خطوط الترام يتجاهل إحدانا ألفة الآخر دون تكلف التجاهل حتى. أعتاد ألا أشتاق أحدهم، أو أن يمر أسبوع دون أن أحظى بحديث حقيقي وجهاً لوجه. أن أتناول عشاءاً آخر لوحدي، وحتى الضوء الاصفر في الكرة البيضاء المتدلية من سقف الغرفة المستطيلة اعتدته أيضاً. أثبت لذاتي بضع نقاط، أهمها أن لا داعي للشفقة على أي شيء، وأن ساعات السأم أو الإحباط لا تستحق أكثر من تعبير جاف في كلمات افتراضية لا تهم أحدهم. لم تعد ضحكاتي تطول أو دموعي أيضاً.

لم أتقبل أن أحظى بحب لا يتكلم العربية أيضاً، وابتعاداً عن أي المحاولات تثير حماستي قصص الحب في الكتب فقط، آخرها بين أستاذ جامعة أميركي، وفتاة إيرلندية. تقصر لائحة المهام المؤجلة، وتملّ مدونتي دون جديد. زرت كوبنهاغن وشتاتين وحاولت أن أصل بيروت، وبرد باريس أكثر ما يخطرني منها.  أكبر ما نما هذا العام هو رقم الرسائل في بريدي الإلكتروني.

لم أعد أشارك غرفتي مع أخريات، أو حياتي أيضاً. لم أعاد أشارك أي شيء، حتى الكلمات.

Advertisements