صباح ضيق

يبدأ رمضان هذا العام في يوم ميلادي، يخبرني موقع إلكتروني تونسي، أطالعه يومياً بحثاً عن خبر سعيد. أقلب فكرة الصيام حتى العاشرة والنصف مساء طوال الوقت، ذلك أني لم أعلم، متى ولماذا وكيف صرت مؤمنة بهذه الطريقة. ربما لم أكن لأصوم في دمشق هذا العام، يمكن ألا أصومه هنا. تأكيد على هويتي التي لم أكن قد ظننت أنها تمثلني قبلاً، أني مسلمة. يأتي صديقي الإيطالي في استراحة الغداء بالأمس ليسألني بفضول سياحي سطحي، أنه رأى بعض صوري على فيسبوك بحجاب. لم أستطع أن أشرح له أسبابي بالألمانية، لم يعنيني أن يفهمني أصلاً. باختصار قلت: “هو ضروري لكني لست متدينة”. رغم أني أبدو كذلك مع كل اعتذار عن مشاركتهم سهرة متأخرة أو مشروباً ما.

أحلم بأمي وأبي منذ أيام، وكنت قد أخبرت والدي الذي كان على سطح منزلنا القديم، بصوتي المنادي من بعيد، أني سأتزوج، وأن الشاب الوسيم سيحدثه هاتفياً قريباً. أخبرني والدي أن أمي أوقظته قبل ايام وهي تصرخ في منامها باسمي. أحاول أيضاً أن أكتشف، كيف ومتى ولماذا أصبحتُ المفضلة عند والدتي بعد أن غادرت. تصرّ أمي على تفسير أحلامها، فيما لا يقنعني ابن سيرين بمعنى قرصات النحل في المنام. بدأت أشرب القهوة منذ أيام عند الصباح دون أن تتغير الصباحات بأن تكون أقل بلادة، حميمية أكثر، أقل ضيقاً أيضاً.

طلبت معلمتي البارحة أن أكتب عن مدينتي موضوعاً بسيطاً، نستخدم فيه بعض الأفعال المكررة في الألمانية مع تغيير حروف الجر، من يغادر إلى يعتمد على، ومن يقف إلى يتألف. يتوقف الأمر على تغيير حرف الجر بعد الفعل المستقيم. أي محاولة للكتابة عن المدينة المنهكة، فشل رومانسي رخيص. “هي أمي”، وصف مبتذل أيضاً. نصحني صديق أن أصفها كما هي. في يوم تموزي لئيم على أرصفة أوتستراد المزة المحترق تحت خفافتي الرقيقة، أو مع “غوفر” شديد الحلاوة نأكله على عجل قرب “زارا”. كان يمكن أن تكون دمشق عادية جداً، لو لم تتحرش حرب طويلة بها.

أدوّن عن صديقاتي، تلك التي تتنقل الآن بين مدن اليونان مرسلة تسجيلات صوتية قصيرة من هنا أنها وصلت هنا أو هناك. أو الأخرى التي تركها خطيبها البارحة قبل أسبوع فقط من حفلة الزفاف، كانت تقول: “نظفتُ بيتي، الجمعة الماضية علقت جهاز عرسي هناك. هل تفهمين؟” أن أكتب عنهن هو اعتراف واضح أن لا مهمّ في حياتي أنا لأوثقه، رغم يقيني أن قدمت انطباعاً مختلفاً تماماً وأنا أكلّم أخي الصغير بالأمس عن أهمية الدراسة والباكالوريا المنتظرة.

وتغريني الكتابة عنك، عن فجاجتك، برودتك، وربما وقاحتك. لماذا أعود لأحدثك في كل مرة رغم إيماني أننا لسنا مناسبين. على المنعطف الضيق قبل أن اصل بيتي لأتفقد رسائلي على “فايبر” أذكر نفسي بشكل شبه يومي أني اكتفيت، أو أن عليّ أن أكون بمستوى الخبرة النضج العاطفي المطلوبين، المتوقعين من تاريخ خيبات صغيرة لا تحتسب. من الغباء أن أكتب عنك هنا أعلم، وما أدونه لا يستحق النشر أبداً، لكن لنقل يشبه هذا بعض تمارين الضغط التي لم أجربها قبلاً. أكتب عن أحدهم، وهو أحدهم وحسب، كي لا يترهل دماغي عن حديث الحب.

يضيق الصباح كل يوم أكثر، وأصل صف الألمانية متأخرة أكثر. أحطم هاتفاً جديداً جلست على حافته بغير قصد، وأؤجل مشروع شراء واحد جديد أسبوعين لأعاقب إهمالي على الأقل.

Advertisements

في رحلة لم تنته بعد

أخبرت صديقتي منذ أسبوعين أني أتفهم تماماً إضراب عمّال المترو في برلين، أو في العالم أجمع. أن تقضي نهارك وحيداً في الأنفاق ذاتها، على السكك نفسها، ويمضي القطار دون أن تتحدث مع احدهم، دون أن تختار الطريق أو حتى أن تترك فسحة لمحطة على حساب أخرى. أعلم لسنا في كراج نهر عيشة لتمشي الميكروباصات على مزاج السائق وما تبقى من كأس الشاي في التابلو أمامه.

حصلت على علم سوري ورقي صغير، بنجمتين، ألصقته على الحائط أمامي مع كل الملاحظات اللاصقة التي أضعها لأذكر نفسي أني أتيت هنا لأحصل على حياة أفضل. أجمل التعليقات التي وردتني على المادة الاخيرة التي كتبتها حول النكبة هي “أنت سورية .. يكفي بكاء على الأرض الضائعة .. أنت سورية”.

أردد النصيحة ذاتها على صديقة لا يستطيع الخروج من دماغها. الأمر ذهني تماماً، يمكك أن تتحكمي بشوقك له، أن تفرضي على عقلك الرجوع إلى الوراء قليلاً، لتريه كما هو، لا كما يصر دماغك أن يريك إياه، لا أحد كامل، وأستثني من هذا كاظم الساهر وبضع شخصيات شهيرة. أمزح، لكن لا أود أن أخبر عقلي أن من غنى “أنا وليلى” شخص اعتيادي، جزء من الملحمة التسعينية، أستمتع بترديد خرافة أن من غناها عظيم. الفكرة مقنعة تماماً رغم عدمية التطبيق، وإلا ما نجح كتاب نسيان لمستغانمي، مع التنويه أن
عبارة “يحظر بيعه للرجال” سبب مهم آخر.

منتهى الدلال الذي أقدمه لذاتي، تلوين أظافري، نهاية الترف هي أصابع بأطراف حمراء، أو بصلية. منذ أن كنت في باريس لم أضع طلاء أظافر. بعد شهر فقط أكمل أعوامي الأربعة والعشرين، ومازلت أنا، تلك التي تضع طلاء أظافر خمري على البنصر فقط، لأنها تسأم من تكرار العملية على كل الأصابع. بعد أسبوعين أيضاً تتزوج إحدى صديقاتي الأقرب، وأكثر ما يمكنني التهنئة به للعروس في دمشق، منشور فيسبوكي، أو ربما مقطع مصور لي أتمنى لها زواجاً ناجحاً.

خلال لعبة صراحة مبسطة مساء أمس، أخبرتني إحداهن أني غامضة، استهوتني فكرة أن أكون، ردت الأخرى أني بسيطة وسهلة الفهم، في تحديد صفة سيئة في كل منها، لم تتفقا على واحدة لي. أخبرتهم أنّ أسوء صفاتي هي عاطفيتي المبالغ بها، ضحكنا جميعاً ذلك أن بينهن، كانت تلك التي أخبرتها أن الحب عملية عقلية بالكامل.

في هاتفي الأخير مع المدير العام لمديرية الآثار والمتاحف في دمشق أخبرني أن تدمر هي الطامة الأكبر إن حدثت، سمح لي أن أطلبه على هاتف منزله ليحدثني عن خيبة أمله من الدول العربية، واليونسكو. بوجع والد يفقد أطفاله أخبرني أنهم يعتبرون الآثار ملك النظام، وكان موظف اليونسكو الذي جاوبني على الطرف الآخر في باريس قد اعتبر تصريح بوكوفا الخميس رد المنظمة الوحيد على خطر داعش في بالميرا الحزينة.  ببرودة فرنسية قال: “أن تقومين بعملك كصحفية ولهذا اتصلت بنا، ونحن نقوم بعملنا ولهذا صرحت مديرتنا بالأمس :”تدمر يجب أن يحافظ عليها”. شكراً بوكوفا. شكراً روسيا. شكراً تركيا.

لم أفهم لماذا أصرت الممثلة الجميلة على ارتداء فستان الزفاف في الفيلم الذي حضرته البارحة، لا مبرر مقنع لهذا سوى “ضرورات درامية”. أتطلع إلى وجوه الأوروبيين المتأثرة يشاهدون معاناة من العيار الخفيف جداً في رحلة تهريب من إيطاليا إلى السويد. يبدو الفلسطينيون في الفيلم ساذجين جداً عدا المراهق الصغير، بعض الأحاديث قد أدخلت قسراً إلى الحبكة الضعيفة، ما يجعل الفيلم مميزاً هو عفوية الممثلين وحرفية التصوير السينمائي لا أكثر. لكن كانت قد قالت العروس: “لم أفعل شيئاً مهماً في المخيم. بقيت هناك لأن وجودي ضروري بطبيعة الحال. كي لا يشعر الشباب أنم يحاربون لأجل منازل فارغة”.

أنتظر صديقة من إزمير إلى برلين، في قارب لم يصل بعد.

عيد ميلاد نكبتنا الثامن والستين

أحاول أن أعايد فلسطين بعيدها الثامن والستين، أن أكتب لها، “عيد موت حزين، عيد موت حزين”. دخلت النكبة سنة جديدة، لا إضافة أخرى على ما حصل سوى أن قضية فلسطين تشيخ كما نحن، وربما تعاني من الزهايمر قريباً لتنسيى أبناءها، حتى تفاصيل جهها، ربما نرسلها دار العجزة ليعتنوا بها كما يشاؤون، ولم تفتح الأممم المتحدة داراً لنا بعد.

قتلت فلسطين قبل ثمانية وستين عاماً، حيث ولدت القضية، وحتى القضية تشارف على الموت إن حسبناها بمنطق البشر.

ماتت فلسطين وولدت النكبة، زغردي يا خديجة ولدت النكبة فوق ظهورنا، تحت أظافر أجدادنا في طريقهم إلى دمشق أو عابرين نهر الأردن. ولدت في رام الله التي اشتاق شاعر أن يلقاها كما تركها ولم تكن. لم نزغرد لتلك القضية فالميتة التي صعب مخاضها لم تدفن، ورائحة الأرض المسروقة تزكم أنوفنا نحن فقط، دون العالم، دون القيادات الفلسطينية التي وقعت أوسلو واضعة إصبعها في فم الوليدة التي استحالت امرأة، التي ماعاد يسكتها مص اصبع والدها الجاف حتى تنام جائعة.

ما اختلف منذ عام على النكبة يا رهام؟

لم يختلف كثيراً، ففلسطين مازالت الحلم، والمخيم سافر هناك أيضاً. يمكن أن أقول، فلسطين مازالت الموت بعيداً عن قيامة موعودة، والمخيم مات أيضاً. لكن لن أكتب عن المخيم هنا، هو ذكرى موت الشهيدة، وأرثيها وحدها فقط.

في عام، رأيت فلسطين بعيون العالم، بعيداً عن فلسطينيتي وأحقيتي وعن كل ما حفظناه في كتب اللغة العربية قبل كتب التاريخ والجغرافيا. رأيت أن الأوروببين هنا، يعتبرون ما حدث في فلسطين ببساطة نتيجة أخرى للحرب العالمية الثانية، وأن معظمهم لا يحمل الصهيونية بل هتلر مسؤولية ما حدث. رأيت أن تلك الإسرائيلية التي تشاجرت معها قبل يومين مخبرة إياي أن والدها ولد في إسرائيل أيضاً، كما هي، لم تفهم أبداً أننا تربينا على حلم الحل النهائي، إزالة إسرائيل وبعث فلسطين. لم تفهم أني أصبت بخيبة كبرى لدى قراءتي بضع كتب تاريخ اكتشفت فيها أن ياسر عرفات لم يكن مخلص الفلسطينيين بل مكبلهم، وأن محمود عباس مغلوب على أمره، وأن الأسد اختلف مع إسرائيل على بضعة أمتار حول بحيرة طبريا لذلك لم يوقع اتفاقية سلام مع إسرائيل. لن تدرك أبدأ معنى أن تعيش لوطن لم يكن في حساب السياسيين كحل واقعي. لن تفهم أني حين قابلت فلسطينيي الـ 48 شعرت أني فلسطينية درجة ثانية، وأني مع كل عذابات انتظاري على نقطة المصنع الحدودية، تمنيت ألا أكون.

تمنيت ألا أعلم أن من اغتال ناجي العلي ربما السلطة الفلسطينية، تمنيت لو بقيت فلسطين أمنا التي سرقوها لتعمل خادمة في بيت الآغا، لا تلك التي قتلت، ومازال الطفل الذي شاخ يبكي أمه التي مارآها.

وأبقى حين أسأل هنا عن الهوية، أقول سورية، من أين؟ أستدرك: فلسطينية سورية.