في مزاجي العالي أكتب هذا

من الغباء أن يعتقد أحدهم أن الفروالة الحامضة، تلك التي نضجت على عجل، هي أفضل من عنب بهت اخضراره بفعل الغبار. من الغباء، ربط أي الفواكه بحبٍ أو جنس مؤجل، من الغباء أن أكتب هذا أعلم، ونوه لي أحدهم يوماً أني أكتب عن الجنس في كل مرة، دون أن أعي، أضمّن عباراتي بإيحاءات جنسية أسهو عن الانتباه لها. هذه المرة لا أفعل على الأقل. لا أسهو أقصد.

يبدو أن فرانك صديقي كان محقاً في تعقيبه الذي ردده دائماً على أي إحباط أو شكوى نفسية أفضي إليه بها، يلوم الطقس دائماً، منتظراً شمساً دافئة ليرتفع مزاجي. من المضحك كيف كان محقاً تماماً، يمشي الناس في الشوارع اليوم بسراويل قصيرة، مبتسمين، يمشون ببطء مفتعل ليحظوا بأكبر قدر من الشمس قبل دخولهم أي مبنى. من الغريب كيف أصر على ارتداء ملابس خفيفة رغم أن البرد لم يغب فعلاً، لكنه طقس مشمس فقط، ليس دافئاً كما لشرق أوسطية أن تعتبر.

لم أتأقلم مع إحساس ملْ الفراغ بين قواطعي الأمامية بعد، أصر انها تؤلمني وتحتاج حفراً إضافياً من طبيبة الأسنان السمراء، تلك التي تتكلم ألمانية أفهمها أكثر من إنكليزيتها، أصر أني أحتاج ثلاث حقن مخدر أخرى أعلى شفتي، لأفقد الإحساس بأرنبة أنفي، أعلم هذا فيزيائي حقاً، لكن ليس من المعقول أن أشعر بألم عندما أتناول العنب، بأسناني الأمامية المرممة بشكل غير احترافي كما أظن. يبدو أني أكره ملء الفراغات التي أعتادها.

تكلمت وكتبت مطولاً عن مشاريعي اليومية المؤجلة، كأن أنظف غرفتي، وأخيراً هذا المساء قد فعلت. أو أن نهي رواية أصابها التلف في حقيبة ظهري وأنا أفشل في إنهاء أكثر من عشرين صفحة يومياً في مقعد المترو على عجل. أقرر أني سأعود المنزل لأنهيها هذه الليلة، وربما لن أعمل، أو أدرس الألمانية، أو أكلم صديقي الأقرب، حتى أنهيها. تبقى في الحقيبة الغريبة على الكنبة الجلدية ذاتها، لأكتشف في اليوم التالي أن أصابها تلف جديد، وأنا أخرج حاسبي المحمول من الحقيبة، ذاك الذي أحمله يومياً في انتظار ساعتي عمل مؤجلتين في مقهى دافئ، لم يحدث هذا خلال الأسبوعين الماضيين، لأعترف.

أفشل في إيجاد حل للغرة المقصوصة على عجل، أمسك شعري طوال حصة الألمانية لثلاث ساعات. أربطه، أفكه، أعود للفه ككوكينا، أتأمل أطرافه التي أؤجل قصها لموعد يشعر فيه جيبي بتخمة مالية لن تحدث قريباً أتأمل صديقاتي، لا تفعل إحداهن بشعرها كما أفعل، يبدو أن سأستغرق عاماً أو اكثر لأعتاده خارجاً. أكرر أن لا قيمة لكل ما دونته أعلاه، أعلم.

تحدياً لإفلاسي الأدبي، وليس الكتابي فقط، أود المشاركة في مسابقة عربية للقصص القصيرة. أخبروني أن يمكنني جمع منشوراتي في المدونة في مجموعة قصيرة، يتعبني التفكير في إيجاد اسم لها. نصحني هاني ألا أفعل، لم تنضج تجربتي الكتابية لتدخل منافسة، ويخاف أني إن لم أفز أن أبتعد عن الكتابة خوفاً، وإن فزت ألا أجهد في رفع جودة ما أروي. يقنعني طبعاً، وتغريني فكرة المجازفة. وهي ما دفعني لمطار فرانكفورت قبل خمس عشر يوماً، علماً أن نصفي قد تأكد أنهم لن يسمحوا لي بالدخول، لكن ستكون مغامرة. يبدو أني لست ماوكلي على مايبدو، ولا حتى ساندي بل.

كتبت عن المخيم في أهم مجلة ألمانية على الإطلاق. شارك ماكتبت أكثر من ستين أوروبي مع تعليقات لم أتابع جميعها على صفحة المجلة المرموقة، أرفقوا صورتي الشخصية وصورة غرفة ضيوفنا بعد أن دمرت. خفت أن أشارك المقال المترجم للألمانية لدواعٍ تتعلق بعُقَدِ خشيتي اللانهائية، وهو أهم ما أنجزت هذا العام. منتظرة ما وعدتني نجلاء قباني به قبل أن أسافر. كانت قد أخبرتني أني سأسافر أخيراً، وعلى استفساري كيف سيكون عامي القادم أكدت أنه سيكون الأهم. كتبت عن المخيم ثانياً وعاشراً، وتختلف الأماكن والكلمات دون ما أشعر. كتبت أن عازف البيانو في الداخل لم يعد رومنسياً كما يمكن لأوروبي أن يتخيل.

أنهي طبق العنب والفراولة الحامضة على الطاولة المنظفة هذا المساء، أتجاهل بعض الإشعارات التي تقفز في دماغي، أتجاهل عجزي عن إيجاد بعض المرادفات العربية لمفردات إنكليزية وانا أحاول كتابة هذا. أتجاهل كتابة حدث عاطفي هامشي آخر كان يمكن أن يكوون مهمأً في فترة حياتية ثانية. هو نيسان، وليس ربيعاً دافئاً آخر، هو الربيع الأول، إثر الهجرة، ويحدث للطيور أن تبقى حيث هاجرت، وحلمت أن أكون سنونواً يوماً.

Advertisements

لم أقصد ما كتبته حقاً لكن ..

ونحن أرقام لا أكثر، ورقمي اليوم 515 في دور الانتظار في مطار فرانكفورت الدولي، بعد أن ذهبت الطائرة إلى بيروت بدوني. ربما يعوضنني ببطاقة إلى برلين، مدينتي، وعليها أن تكون مدينتي وكفى، لا دمشق التي لن أعودها أو بيروت التي تبصقني بلؤم عاهرة تمضغ علكة. برلين فقط، عليها أن تكون مدينتي. ومحاولتي بأن أدخل لبنان لأجري تدريباً حول صناعة الأفلام الوثائقية، تموت بالفشل، وأنا ابكي. أعلم أعلم دونت هذا مرتين أو ثلاثاً قبلاً، لكن السيناريو اليوم مختلف في مطار دولي، الانتظار أطول، مع شاشة تخبرك ان له نهاية وإن طار ساعات، يوزعون العصير والشوكولا على المسافرين المنتظرين، لكن دون مناديل ورقية لأجفف دموعي وأنفي الذي يسيل.

ولبنان يرفضني للمرة الثالثة، يقتص لبنان من حربه الأهلية فينا، من كل ما تحطم في بيروت يرميه في عيوننا، نحن الفلسطينيون، يرمي لبنان كل ضعفه السياسي والخدمي والاجتماعي والاقتصادي على كاهل من يحاولون عبثاً أن يدخلوا أراضيه بضع أيام فقط، يقتص من كل مرة لم يجدوا فيها كهرباء خلال حرب امتدت عشرين عاماً بإطفاء الحنين في قلوبنا.

لبنان يرفض ان يدخله بضع فلسطينيين، خوفاً من أن أن يصبحوا لاجئين آخرين، وكأن لبنان توزع راتباً شهرياً على مليون ونصف لاجئ، وكأن لبنان تخاف أن يزيد عدد الارهابين في سجن رومية واحداً أو اثنين، أو ربما يخشى لبنان من فلسطيني آخر قد يكون غسان كنفافي الذي اغتيل هناك.

وأصر أني سأدخل في المرة القادمة، ليس بعد هذه الكلمات ربما، لكن على الأقل هذه المرة سأنال رفضاً أنا كنت السبب فيه.

ما أعجز عن فهمه حقاً هو لماذا؟ وكيف لا يشعر اللبنانيون بما قد آلمهم يوماً؟ على طابور الانتظار أمام البوابة بي 30، كل المتوجهين إلى لبنان لبنانيون بجوازات سفر أجنبية. استطاعوا أن ينتشروا حقاً، لتظهر شاكيرا من أصول لبنانية، وميا خليفة أيضاً.

أخبروني في السفارة اللبنانية هنا أن لاحاجة بي لتأشيرة دخول مسبقة لأني أستطيع ان أحصل عليها من مطار رفيق الحريري، أصل فرانكفورت بطائرة من برلين، أركض في المطار الضخم لأجد البوابة الصحيحة، أنتظر في الطابور القصير، يطلب مني أن أقف جانباً، ينتهي الطابور. ينظر المسافرون بأسف. ينجز بعض مكالمات قصيرة، يهز رأسه، أبتسم أن نعم نعم هكذا أخبروني في السفارة في بانكو، يغلق الهاتف، يدون اسمي في جدول على ورقة منفصلة، ويعتذر. لا يمكنك دخول لبنان دون فيزا. لكن أنا فلسطينية سورية، أتقدم للفيزا في المطار أو على الحدود، أفشل في منع نفسي من البكاء، يعلو صوتي، يسحبني جانباً إلى قسم خدمة الزبائن. مئات غيري ينتظرون. يطلب المسؤول هناك أن أخرج وآخذ دوراً، أحاول أن أشرح، ألا أبكي، أن أتكلم وأنا أبكي على الاقل، وبالانكليزي أيضاً، لا يفلح شيء.

في بهو المطار، وبين السلالم الصاعدة ليس إلى الهواء، أحاول إيجاد قسم الشرطة، الجمارك، أعود لأكرر القصة ذاتها. أن بحوزتي حجز فندقي، ورسالة دعوة رسمية، وأني فلسطينية سورية، وأن من حقي الدخول، وأني أمتلك إقامة في المانيا أي أني لم أبق في لبنان أكثر من عشرة أيام، وأني أمضيت نهار البارحة وأنا ابتاع لعائلتي هدايا، وأني فقط أريد أو أصل هذه الهدايا. وكنت قد أنفقت نصف مصروفي البارحة لأشتري لأخواتي بضع أغراض يخبرن صديقاتهن أنهن حصلن عليها من ألمانيا. لم يحصل أن كان لدينا عم أو خال مغترب، وكنت أود دائماً التبجح ببضع هدايا وصلتني من أحدهم، أمضيت النهار وأنا أختار مع مرام أختي ما أعجبها من الخفافات والقمصان. أحضرت لوالدي تي شيرت كنت متأكدة أنه سيلبسه لأول مرة لأني أنا قد ابتعته. أمي كانت قد طلبت جزمة قصيرة فقط، بكعب 5 سم، وجدت إحداها البارحة، وأحسست بذنب أني لم أحضر لها سواها.

تضيع الحقيبة في عودتي إلى برلين، بين مكاتب اللوفتهانزا الشهيرة أنتظر 3 ساعات لأتقدم بشكوى فقدان حقيبتي بين التبديلات، أحاول أن اشرح لهم أن كل ثيابي هناك أيضاً، أنها ربما صارت في بيروت، أو في فرانكفورت، لا شيء، ربما بعد أسبوع أو اثنين. يخبرني العجوز الذي لا يستطيع الطباعة على الحاسب أمامه إلا بسبابته، أن ربما يعوضنني بألف دولار، يضحك، تشاركه الموظفة العجوز تهكماً أحمق، ليعطوني كيساً قماشياً أسود، فيه معجون أسنان وتي شيرت داخلي ومزيل تعرق، وأن “لا تتصلي لتسأي حول الحقيبة” سنقوم بذلك فور إيجادها.

يضيع اليرموك أيضاً، وتستلمه داعش، على الأقل الآن لن أضطر أن أشرح للجميع أين يقع المخيم، يمكن لداعش أن تسلط الأضواء على البقعة المنسية، يستنفر نشطاء الفيسبوك رفضاً، ذلك أن البغدادي كائن افتراضي، وسيشعر بالندم على هذه الخطوة إذا استطلع ماذا نشر تحت هاشتاغ #داعش_تدخل_اليرموك.

وكنت قد أعدت تطبيق الفيسبوك إلى هاتفي هذا الصباح، أشكو مرة واثنتين وثلاث بطرق لاعقلانية، أشكو فلسطينيتي، لا هويتي، لا جنسيتي، أخجل مما كتبت منذ ساعات ودموعي ملء عيناي. تؤلمانني الآن، وكان نهاراً سيئاً آخر، وكان نهاراً سيئاً آخر.