هل مات جدي جائعاً؟

11008066_776012642482530_5905714742768660677_n

أول الأبيات التي حفظتها لترديدها في معسكرات الطلائع والشبيبة في الزبداني واللاذقية كانت تقول:
“لمعلوماتكم .. لمعلوماتكم جدي يعيش الآن في خيمة
لمعلوماتكم لم يفقد الهمة
ويناجي الان ربه الأعلى ”

لا أذكر ما تبقى مما حاولت يوماً ترجمته للإنكليزية لألقيه أمام مديرة وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين في سوريا، كنا قد ترجمنا في مدرسة صبارين الإعدادية، مع فاطمة عمرين مدرسة اللغة الإنكليزية، أغنية الحلم العربي. كل منا حفظ مقطعا ً كما فعل المغنون العرب، لنردد اللازمة معاً.

للمصادفة الساخرة، بعد بحث طال أكثر من أربعين يوماً أجد اليوم غرفة في برلين لأستقر فيها بعد طول تشرد. سأم أصدقائي الواقعيين والافتراضيين بكائي وشكواي من فقدان المنزل، صارح أحدهم بذلك في منشوري الأخير أشكو فيه التشرد، ناصحاً بإكمال حياة جديدة هنا، والتوقف عن الناتسولوجيا للماضي الجميل.

مع فرحتي بإيجاد منزل بعد بحث طويل ونزوح أطول، يأتيني خبر موت عمو “عمر أحمد كوسا” في مخيم اليرموك المحاصر. هو ممن بقيوا في المنزل، لأسباب يختلف البعض في تفنيدها، لا يهم، المهم مات هناك.

كنت قد أسلفت في تدوينة سابقة، أن خبرتي مع الموت متواضعة جداً، حتى في هذه الحرب التي أكلت كثيرين، لم أفقد أقارب أو أصدقاء كثيرين، وهم من يعودون لعيوني مع كل وخزة في القلب والذاكرة، أو مع استفزاز أحمق، كذلك الذي عرض على قناة الميادين قبل أيام، راثياً حلماً مسروقاً لم يكونوا قد اعترفوا بوجوده حتى نهِب. وأمام موت عمو عمر، لا يسعني إلا البكاء، تغيير صورتي الشخصية على فيسبوك لأذكِّر أن الناس في مخيم اليرموك المحاصر يموتون جوعاً. تكلمني صديقة خرجنا معاً من هناك لتقول: “المخيم معزول زمانياً ومكانياً .. ما بتخيل حدا يطلع من جوة عايش بصراحة”.

من يحرك اللعبة في الداخل؟ من يحركها خارجاً؟ من فلسطين ولمَ نحن؟ وهل سيشعر العرب بالذنب بعد عقود لما ارتكب في حقنا كما فعل الأوروبيون تجاه اليهود؟

دولة المخيم إذاً، هي كوريا الشمالية لكن دون نظام حكم استبدادي يحكمها، لا صوت هناك إلا للموت.

أمام عجزي عن المشاركة في عزاء هناك، أمام خوفي من الميت القادم وأنا هنا، أمام شعوري بالغربة، وللتنويه: كلمة غربة حقيقية تعبر عن شيء فعلي في الواقع الملموس، وليست كما ظننت دائماً تبريراً مختلقاً للمغتربين كي يخفوا امتنانهم لحياة أفضل من تلك التي في الوطن، أمام كل هذا، أشغل راديو “شام إف إم” فيروز دائماً، الإعلانات ذاتها، صوت عطية عوض وهيام حموي، آلف كل هذا فعلاً، لكني لم آلف الموت بعد.

وكان والد أبي قد توفي في السادسة والثلاثين من عمره، ليترك والدي المراهق مع أمِّ مريضة وسبعة إخوة أصغر منه. عمو عمر، كان الوالد الأكبر، عم أبي، والأخ الوحيد من ثلاثة إخوة استشهد أحدهما واغتيل الآخر. رغم اعتيادنا المزاح وإطلاق الداعابات اللئيمة على زوجتيه، وابنه “المسكين”، مع عفويته المبالغ بها، إلا أننا شعرنا دائماً أنه والد الجميع.

عمو عمر، كان في فيلمي اليتيم عن المخيم، ذاك الذي أعددته قبل شه رفقط من الشرارة، ماهي الشرارة؟ وكيف بتنا هنا؟ كيف يستوعب والدي أن كل مكتبته، في منزلنا قد تكون حطباً لمن يشعر بالبرد في الدخل؟ كيف يمكن لصديقتي تلك أن تقول: “لا تنصدمي، بس بطل لليرموك ملامح”. مات من تحدث في الفيلم القصير عن عودته لفلسطين، من قال: “نحنا معنا تذكرة إقامة مؤقتة أخدناها من الجولان”. مات في الفيلم أيضاً شابٌ قال: “راجعين .. راجعين عارض الخليل، عأرض العنب والزيتون .. راجعين”، ليضم فيلمي رفات إثنين ابلتعهم المخيم.

لمعلوماتكم .. جدي مات في مخيم اليرموك .. ربما أزمة قلبية، ربما مات جوعاً، وهو ميت آخر، في مخيم الموت.

مش راجعين .. مش راجعين عالمخيم نحنا .. مش راجعين ..

Advertisements

إنهاكي وعقلي الذي لا ينطفئ دون أن يعمل

بدأت غرف المدينة الجامعية بالإغلاق .. بدأت أضواء النوافذ التي كانت تسليني بالانطفاء .. لم يبق في طابقي إلا بضع طالبات ينتظرن أن يسافرن غداً ..

أتسابق مع الشمس .. مع رمضان .. مع حظي السيء .. يسبقني الأخير .. بعد أن أكملت طريقي سيراً من جسر الرئيس إلى كلية الاقتصاد وبالعودة إلى جامعة دمشق والبحث لنصف ساعة تحت قيظ تموز عن طابع بحث علمي .. أكمل طريقي لمؤسسة البريد في الحجاز لأطلب ورقة غير موظف علي أستطيع تأمين غرفة صيفية لي في السكن الجامعي .. أمشي لوزارة العمل في شارع الثورة .. أدخل منهكة تماماً .. منظري لم يعد بالفتنة التي ابهرت الشاب الطويل عند باب السكن صباحاً .. أخبر الموظف عند الباب أني أتيت لأوقع هذه الورقة .. أبحث في المصنف الشفاف .. أووه .. أين هي .. في الواقع مازالت على السرير الخشبي في غرفتي المريضة .. أنقب في حقيبتي السوداء .. تفاجئني انها أرادت حماماً سريعا بما تبقى من زجاجة الماء البلاستيكية التي كنت قد هبئتها من مطبخ الطابق لأوفر 30 ليرة مقابل ماء .. هواتفي المحمولة مبللة بالكامل .. أجففها على عجل .. تصريح السفر إلى لبنان .. ذلك الذي امضيت 4 أيام في الحر المكتظ لأحصل عليها .. ممزق تماما .. أرميه في الحاوية على الطريق العائد إلى المدينة الجامعية ..

تستقبلني مرآتي وأنا أبكي .. بعيداً عن المديح الذاتي الذي افضل أن أسمعه لنفسي .. لكن تبدو عيناي جميلتان في احمرارها وذوبان ما تبقى من خط الكحل الزيتي تحت عيني اليمنى .. أبكي اكثر .. لنصف ساعة من اليوم البليد أبكي .. دونما مرآتي حتى ..

كتبت هذه قبل عامين تقريباً، في رحلة إتمامي لأوراق تعييني كمعيدة في كلية الإعلام جامعة دمشق، كان الحلم الذي عملت لأجله، ولأجله فقط أتممت دراستي الجامعية. كان ازدحام الأوراق، مع محاولة لإكمال ترجمة وتصديق شهاداتي للتقديم لزمالة صحفية في ألمانيا. أقنعني صديقي انه يمكنني أن أحجز مكاناً فيها، ولم أفعل.

اليوم يتكرر السيناريو ذاته، وليست المرة الثانية فقط. لا أدري اين عقلي، أين تركيزي، ما سبب كل هذا التشتت والإهمال. أحمل أكثر من بطيخة معاً، وأصر اني أستطيع ان أكون بهلوانة بها، يبدو اني لا أستطيع.

وأنا أركض من مكتب البلدية لمحل التصوير الذي نسيت لديه أوراقي، كانت المرة الاولى التي أركض فيها هنا لخمس دقائق متواصلة. لست رياضية ابداً، ومع الحقيبة التي ضمت إلى جانب حاسبي المحمول غدائي وبضع اوراق التهمت الغداء كما اكتشفت لاحقاً، لم يكن الركض مسلياً بقدر ما كان منهكاً، كما لو أن دماغي ضرب بعصاة خشبية من المنتصف، أشعر بلسعة كهربائية تصل جبيني، أعود قبل أن يأتي دوري، أكمل أوراقي البيروقراطية، لأحاول الوصول إلى عملي في الوقت المناسب.

لست منطقية أبداً، فأنا أحاول أن أكمل كل الاشياء في يوم واحد، ليس لأرتاح غداً، بل لأخلق هموماً وأعمالاً جديدة. أضع قائمة ما يجب أن أفعله كل صباح، تكتظ الورقة في الدفتر الصغير، وأنا أملؤها بمهمات عبثية أعلم أن لن اتمكن من إنجازها كلها. وينتهي كل نهاري بخيبات صغيرة على ما لم أستطع أن أشطبه عن القائمة، أضعه على قائمة الغد، تتوالى القوائم سواء كنت في شارع الثورة أملؤها قبل أن أصعد باص مساكن برزة إلى الإذاعة في أول ركن الدين، أو في ألكسندر بلاتز في المترو إلى المنزل.

يسطو عليّ هاجس البحث عن منزل، أمشط المدينة الكبيرة في شوارع لا أستطيع تهجئة أسماءها كاملة، أفهم دافع أبي جيداً أنه حاول أن يؤمن على مستقبلنا جميعاً ببناية صغيرة في المخيم.

وأعود أبكي، لم تعد دموعي بالانسياب والسلاسة التي كانت عليها قبل سنتين، تختزل المواضيع والمواقف التي باتت تحركني للبكاء، يختزل الوقت أيضاً بما لا يتجاوز دقيقتين، لأستهزء بذاتي بعدها، أني حتى أنا لا أشفق عليها فهي لابكي لها، لأبكي معها.

تأقلم سلبي

تقارب أيامي في المدينة الجامعية على الانطفاء .. ينتهي عام ونصف على النزوح الأول .. على اعتياد زواريب الحياة المشتركة مع غرباء .. ضمت الكثير .. يمكنني أن أبدأ بسردها اليوم لأنتهي قبل نهار سفري بعد ثلاثة أسابيع .. أستطيع الاستغراق في التفاصيل .. حتى تلك التي حسبت أني قد نسيتها في الغرفة 308 وهنا في السادسة .. كلها تستطيع أن تجتاحني دفعة واحدة ..

مساءات التولع به دون فائدة .. الأحاديث الصباحية مع الصبايا حول عدم جدوى هذا أو ذاك لي أو لهن .. استمتاع بنات الطابق بأطباقي التي لا أشتهي تناولها متى انتهيت من إعدادها .. سأمي الصباحي من إيقاظ قسري .. ومحاولاتي الفاشلة في اعتياد النوم مع ضوء ساطع ..

في الوحدة الخامسة هناك بضع قوانين لاستمرار الحياة بسلام .. أحياناً بسعادة .. لكن السلام أولوية هنا .. عليك اختيار الحمام الثالث قرب النافذة في طابقي .. فهو الوحيد الذي لن ينز فوق رأسك وأنت في وضعية القرفصاء .. وهو المميز بخرطوم يحتوي أقل عدد من الثقوب .. في الحمام .. حيث من المفترض أن تخرجي منه بجراثيم أقل .. حاولي أتبقي قدميك فوق “الشحاطة” البلاستيكية .. حتى وأنت تنظفينهما .. إياك أن تدعسي على البلاط .. اعتادي الاستحمام باللون الرمادي .. لن يتصلح الضوء فوق الدوش البارد أبداً .. لن يصبح الدوش دافئاً أيضاً إلا في كانون .. تجاوزي فكرة تنظيف المغاسل اليومية وأنت تنظفين اسنانك فوقهما .. كما تجاوزت غرابة إكمال أحاديثك الغرامية على نافذة دورات المياه .. حيث تفضل بعضهن إطالة جلستها القرفصية في الداخل .. لتستمع بعض كلمات أنت وحبيبك على النافذة .. ليست التفاصيل مغرية نهائياً أعلم .. بما أني سأغادر قريباً . يستحسن تدوينها قبل أن تطير .. أخبرني هاني مرة أننا بعد أن ننتقل من تجاربنا الأسوء لا نتذكر منها سوى الجميل .. ولهذا الآن أدون الأسوء كمرحلة أولى .. علّي أكمل الجزء الآخر بعد الخروج منه.

بالعودة للتأقلم السلبي .. ضوء الحديقة البرتقالي فوق سريري أنا وخولة تماماً ..يضيء الغرفة حتى خزانتي .. صحيح .. خزانتي مشاع .. فقدت بعض الاشياء .. لكن من الصعب أن أعود لإقفالها بعد كل شيء أحتاجه منها أو أضطر لإعادته .. شددي التركيز على اهمية جغرافية السرير .. حتى وإن كانت تغطية الهاتف لا تأتي إلا على سريرك .. “ممنوع الاقتراب والتصوير” ذلك أن الأمر يتعدى هذا ليصل للمنشفة والغطاء وحتى مساحيق التجميل .. أن تعيري إحداهن شيئاً يعني أن تشاركي الجميع كل شيء .. لا حل وسط .. أو لا دبلوماسية في رفض طلبات الجميع ..

……………………………..

كنت قد توقفت هنا قبل أربعة أشهر، رغم أنها تزخر بالتفاصيل، إلا أني لم أشأ أن أدونها. في اليوم الأخير قبل السفر، ودعت الجميع في الغرفة الثانية، حلا وهلا ونوفا وكولجين، وأمضينا سهرة مجنونة مع صبايا الغرفة الخامسة. تصورنا كأنا لن نتلقي بعدها.

قبل أن أغادر مع حقائبي الممتلئة، ودعتهن على عجل، لاحقتني عيونهن من نافذة الحمام وراء قضبانها الحديدية، كانت كولجين تبكي، وحلا أيضاً. كان كل ما أردته الخروج من هناك. كان حقاً إفراج.

ملاحظة: كان صديقي على حق، ومعظم ما يسعني كتابته الآن هو ما أفتقده من تفاصيل حياتية هناك.