إدمان

أتحول إلى كائن افتراضي بالشكل الكامل، أقطع علاقاتي الواقعية بالأشخاص، متحاشية أن أخرج من المنزل الذي علي أن أنتقل منه بداية الشهر القادم. يكلمني بضع أصدقاء هنا، وأعتذر الاجتماع بهم ليس لسبب مهم إلا أني لست بمزاج يسمح لي بالمجاملة أو المسايرة الاجتماعية.

أردد ذاتياً وأنا أحدث الصفحة الرئيسية لفيسبوك أني مدمنة و أن علي ترك هذا الشيء اللعين، أقلب الصفحة مرتين وثلاثة علها تأتي بجديد، أخبار جيدة لأحدهم لا تهمني سوى أن علي أن أصنع خبري الخاص، ليس حدثاً بالضرورة، حيث يمكن أن يصبح رغيف خبز عراقي اكتشفت منبعه في الحي المجاور خبر اليوم على منصتي الباهتة. أشعر بكل تفاصيل النشوة والحاجة اليائسة لكل ما يقدمه لي فيسبوك. مؤكدة لذاتي أنه لا يقدم شيئاً أبداً، وأن عليّ للمرة الألف أن آخذ قراراً جدياً بإغلاق هذا الشيء اللعين.

ربما استجابة لحديث طويل بين أحد الأشخاص الذي التقيته فيسبوكياً ايضاً، كان قد صعق أني أفتح عيني لأتفقد حسابي على فيسبوك. استجابة لمحاضرة استمرت عشرين دقيقة من أيام، تمكنت في اليوم التالي أن أمضي أول ثلاث ساعات دون أن ألمس الهاتف اللئيم. تخليت عن العزيمة الضرورية في الأيام اللاحقة. لأحدث الصفحة الرئيسية، مرتين وثلاث .. لعلها.

أؤجل مشروع امتحان ضروري أسبوعاً آخر أو أكثر ربما، يرتبط كل هذا بتأميني رسم التسجيل بالامتحان، وهو ما يعادل نصف مصروفي الشهري هنا، دون أن أبدأ جدياً بالدراسة المكثفة. اشتريت رزمة أوراق ملونة، وأربعة أقلام حبر جاف، وعلبة معدنية على شكل كتاب، لأضع فيه كل الكلمات الجديدة التي أتعلمها يومياً باللغة الانكليزية أدونها على هذه الأوراق، على أمل أن أعيد قراءتها كلما شعرت بملل أو رغبة في تثبيت هذه المفردات، مازالت الرزمة مغلقة، وبضع كلمات أجزم أن نسيت معانيها مرمية على الطاولة، لأحدث الصفحة الرئيسية على حسابي المحمول، مرة وثلاثاً وأكثر .. لعلها.

أمضيت نهار الأحد الماضي في الخارج، تمشيت في حديقة عامة، مستمعة لبضع أغانٍ لميادة الحناوي في الثمانينات، التقيت بصديق لطيف، تريحني فكرة أنه مدمن مثلي، لينتهي اليوم وانا في معمل مهجور في اطراف برلين، ننتظر حفلة موسيقية لشاب فلسطيني، سيكون المزارعون الشباب الالمان جمهورها الأساسي، بدأت الحفلة في الحادية عشر مساء، عندما كان علي أن أغادر إلى منزلي، ذاك الذي أكرر أن علي أن اغادره بداية الشهر القادم. المثير لحنقي، أني حتى وفي هذا النهار الذي ابتعدت فيه جزئياً عن حسابي المحمول، لم أترك هاتفي طويلاً في المترو أو في القهوة الواطئة التي اكتشتفها، دون أن أحدث الصفحة الرئيسية مرة وثلاثة واكثر، لعلها.

تطاولني مشكلة وجودية بحتة، في مدى حقيقتي، وجداوي كإنسانة، كمشروع صحفية أو كاتبة او مثقفة، أفشل في أن اثبت لنفسي اني على الطريق الصحيح، ليس افتراضياً بل واقعياً. أحاول إيجاد بعض الحلول لأعمق مصداقية الإنسان لدي، ربما اقرأ كتباً أكثر، أنهي بعد طول انتظار رواية “المسيح يصلب من جديد” بعد أن تركتها قبل اسبوعين رغم أني شارفت على الانتهاء منها، ليس لشي فقط لأني وجدت اتصالا جيداً بالانترنت هنا. أو ربما أحتاج أن أواجه مصاعب أكثر في حياتي، ليس فقدان منزلي، أو استقلالي الكامل عن عائلتي أو حتى تفوقي الدراسي، دليل على وجودي الحقيقية كإنسانة، كمشروع صحفية أو كاتبة أو للأسف مثقفة. يتمكن صديق حميم اشتقته فعلاً من تشتيت انتباهي عن المشكلة بضع ايام، لتعاود الظهور اليوم، وأنا أعتذر لصديقة عن الاجتماع بها لنحضر فيلماً ألمانياً معاً، متذرعة ببعد المسافة، وإفلاسي المقترب، وأني اريد أن أدرس. متحاشية أن أنظر مباشر لعيني الشاشة الزرقاء، متحاشية ان أحدث الصفحة الرئيسية.

ربما ليس ذنب فيسبوك أو انستغرام أو أياً من تطبيقات التواصل الاجتماعي، فأنا كت سابقاً مدمنة تلفاز حتى فقدته عام 2012، وكنت أيضاً مدمنة دراسة في ايام الثانوية. ليكون فيسبوك أول أعراض المرض الأكبر، الوحدة، الإفلاس، الاغتراب. رغم اني أصر على إمكانية إيجاد إدمانات أفضل، وأقل تحفيزاً للشعور بالذنب اليومي.

يتساقط الثلج هنا، للمرة الاولى أمامي، كان قد فعل قبل شهر تقريباً وأنا في مكان آخر، شاهدت صور الشوارع البرلينية بالأبيض كما رأيت أخواتها في دمشق، على الشاشة الزرقاء اللعينة. كان يمكن أن تثلج دون أن أنتبه لولا أني تذكرت رفع الستارة لأرى ضوء النهار، كان اقترحاً من صديقتي التي أقيم لديها اليوم بعد عشرة أيام من إقامتي، في هذا البيت، ذاك الذي علي أن أجد غيره قبل بداية الشهر القادم.

الأكثر أني سأنشر هذا في مدونتي التي يزيد عدد معجبيها بشكل غير مبرر أو منطقي عبر التطبيق الحقير، لأطالع كل قليل إشعاراتي منتظرة تعليقاً أو أكثر من أصدقاء مثلي، جل ما يفعلونه خلال النهار، هو بضع أشياء، وتحديث الصفحة مرة وأكثر علها.

Advertisements