برلين وقطار آخر

وأكتب لك كأنك كنت هنا يوماً .. يختلف كل شيء حولي يا صديقي .. الأشجار .. لون السماء حتى رائحة الهواء ليست ذاتها .. أتجنب الكتابة عن تفاصيل المحيط .. عن وحدتي هنا .. عن لا هويتي لا لغتي لا أنا التي اعتدت أن أكونها ثلاثة وعشرين عاماً .. تبقى فيروز صباحاً وأم كلثوم وبعض أغاني عبدالحليم تكلمني ليلاً أني أشتاق .. للمدينة المطفأة الآن .. أني في مكان آخر .. أنها ليست دمشق ..

تحتل القطارات جزءاً من نهاري المكتظ في العاصمة المشغولة بسكانها الجدد الذين تخلت عن محاولاتها في التعرف عليهم منذ زمن بعيد .. تشبه برلين دمشق في هذا أظن .. زوارها سرعان ما يصبحون سكاناً.. تحتويهم المدينة الكبيرة .. ألكسندر بلاتز مكان للجميع .. لا أجنبي هنا .. فالجميع كذلك .. وكلنا سكان برلين الحكيمة .. بالعودة للقطارات .. بعد الأسبوع الاول لم تعد الخارطة الملونة لخطوط القطار والمترو تخيفني .. حفظت معظمها .. لا يمكنني التذرع بالضياع في حال تأخري بعد الآن .. يركض الجميع كي يستقلوا القطار القادم .. هناك دائماً قطار آخر .. لكنه لا ينتظر .. لم أعتد طعم الهواء المضغوط المختلط برائحة السجق والسكر والحليب والطعام الأسيوي عديم المذاق بعد .. أحاول جاهدة ألا اربط هذا العبق القبيح ببرلين .. أصر على ربطها بكنيسة آنا صوفيا ومحل الحلويات القديم هناك .. يضحكني الركض الدائم والحقائب الكبيرة .. أجهل لماذا .. بتّ كذلك .. أضحك على ذاتي أيضاَ وأنا ألهث بين أرقام البوابات وعلى الأدراج المتحركة .. أصل متأخرة دائماً .. حجتي ذاتها .. مدينة كبيرة لا أتكلم لغتها .. رغم بدئي تقليد بعض العادات الجيدة هنا كالقراءة في المترو وعدم التأمل في وجوه الركاب كما كنا نفعل في دمشق .. إلا أنّ التأخر مازال على قائمة العادات التي أعمل على التخلص منها قريباً .. يوماً ما ..

يقارب الخريف على السبات هنا حتى العام القادم .. قلبي أيضاً نائم حتى الربيع .. أو ربما في انتظار القطار القادم .. هناك دائماً قطار آخر 🙂

Advertisements