ولهذه الأسباب .. لن أتزوج فلسطينياً

لن أتزوج فلسطينياً. وأرفع القرار إلى العامة ممن لا ينتظرون أصلاً هكذا تصريح، وقبل أن يعترض أي منكم أو يستسفر عن الأسباب. لن اتزوج فلسطينياأفعل هذا لأهداف سامية. الغاية تبرر الوسيلة، ستظهر الوسيلة خلال الكلمات القادمة بالقباحة الواقعية لسوء الحظ، لكن دعونا نصبّ تركيزنا هنا على الغايات فقط.

كنت قد أخبرت الجميع أني وجدت حلاً للقضية الفلسطينية، أول خطواته هي أني لن أتزوج فلسطينياً أبداً. رغم أن تجاربي العاطفية المتواضعة أثبتت أن رجلاً يتكلم لهجتي هو الخيار الأنسب، إلا أنه في سبيل الوطن، يمكن تقديمّ بعض التضحيات.

لا فلسطيني يكون والداً لأطفال المستقبل، إذاً لا فلسطينيين صغار مني، وليذهب نزار وليمونه الذي لا ينضب إلى الجحيم.

الخطوة الثانية هي استغلال منبري الإعلامي المتنامي افتراضياً كي أقنع كل فتيات الوطن المحطم بضرورة التضحيات الموازية، حتى وإن كان هذا الرجل حلماً. يمكنك أن تتزوجي أي رجل من الجنسية التي تشائين. المهم ألا تنجبي فلسطينيين صغار يحملون الإرث القديم. نصف المشكلة على اعتبار أن المرأة شطر المجتمع، ولحسن الحظ لن تتمكن يوماً من إعطاء جنسيتها لأبنائها، نصف المشكلة نتخلص منها هنا.

النصف الآخر، الأكثر تأثيراً للأسف، أمامه خياران.

يمكنه أن يركب البحر أو السماء لأي دولة لجوء، لكن ليس من تلك التي تؤكد على حق العودة المقيت. عليكم أن تتأكدوا من وصم هوية لجوئكم الجديدة بأن الوطن الأصلي “غير موجود”. لن تتمكن أوروبا والأميركيتين من استيعاب كل ذلك الزخم الفلسطيني، لذا على بضع مئات من الآلاف منكم أن يحاول تحرير غزة أو الضفة أو اغتيال محمود عباس وخالد مشعل. لا تفكروا بالعمل السياسي أبداً، بعد سبعين عاماً من النكبة، لا تنفع طاولات المفاوضات.

رغم تفضيلي الاقتراح الأول المتعلق بالهجرة والحصول على جنسية حقيقية، إلا أني أؤكد أن لكم حرية الاختيار. المهم ألا تطيلوا النضال. في أقل من عام، لدينا دولة جديدة قرب العراق، يتحدث الجميع أن رجالها لا يخافون الموت، بل يتوقونه، وهذا بالضبط ما أتوقعه منكم.

وسيخرج الآن، بعد الخطة المنطقية المحكمة التي أسلفتها فوق، من يتهمني بالعمالة والتخاذل والانهزامية واللاإنسانية. رغم أن أحداً لم يتعب نفسه في نشر أكثر من تعاطف تافه على منصه الأزرق، لأصدقاء سيلصقون إعجاباً وهمياً أنهم يناصرن القضية الخاسرة.

كيف لي ان أتنازل عن حق آلاف الشهداء ممن قضوا في سبيل الأرض، في سبيل الكرامة؟ من أنا لأقرر أن حل الشعب الفلسطيني هو في حل قضيته كلها؟ وأقصد بهذا تحليلها، تفكيكيها، تفريغها من مضمونها الخاوي أصلاً.

لا نريد وطناً آخر لا في كندا أو السويد أو الفلبين، وبما أن الجميع موقن بكلام النبي الأخير أن حق الفلسطينيين ممحوق حتى يوم القيامة، فلماذا العبث؟ وما طائل كل هذا الموت في سبيل بضع كيلو مترات، ومقدسات باهتة. دعوا المسلمين، وتضحكني كلمة المسلمين هذه بشكل مبالغ به صراحة، دعوا المسلمين يدافعون عن كل تلك المقدسات، وإن حدثت حقاً علامات الساعة بانهيار المسجد الأقصى وانتم نائمون، يكون خلاص الفلسطينيين قد اقترب، لنعود للنقطة ذاتها أن كل المعادلات تشير إلى ان هذا هو الحل، ليس النيزك، ليس الكفاح الذي كتب عنه غسان كنفاني وإيثيل مانين. هو استسلام فقط، لكن بشكل منمق، ومخطط له. ليس هذا مجنوناً، لم يخبر أحد هتلر ذلك حين أراد أن يتخلص من كل اليهود أو أن يحتل العالم، كانت لديه الخطة، وها أنا أقدم لكم واحدة.

نفسياً، وهو الجانب الأصعب في الخطة المقترحة، عليكم تجاهل الكثير، صور الغارات على القطاع، الانتظار ساعات في مكاتب الحدود كي تمروا إلى أي مكان، وكل أسماء الشهداء. ليس التجاهل سهلاً، لكن ليس مستحيلاً أيضاً. لا شيء مستحيل سوى عودة فلسطين، وإقناع محمود عباس أن يصمت.

تستغرق الخطة ثلاثة أعوام إن اتخذت جدياً وتم تطبيقها بشكل منظم. استطاعت إسرائيل أن تربط عقدتها في قلب الوطن العربي، كما يخبرنا كتاب القومية في بضع أعوام فقط، ويمكننا نحن، أن نحل عقدة فلسطين من حناجر الجميع ببضع أعوام أيضاً. يرتاح الجميع، يخمد الثأر، تجف العيون. لنتعلم للمرة اللأولى كيف تكون الحياة.

لن يكون ذلاً أو تقاعساً، وحتى وإن كان ليس طعم الإهانات جديداً على النفوس، ذل أخير في سبيل الحياة. وكان درويش قد قال قبل أن يموت: “ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً”. نحن نحب الحياة ولهذا فقط لن أتزوج إلا فلسطينياً. لا يمكن أن يجف الليمون قهراً، ولن تحترق بيارات البرتقال.

Advertisements