أنا فلسطينيّة .. أنا أهدد الأمن العام اللبناني

10292205_780802338596726_6984713970867491583_n

أحاول استجماع حنقي وحزني ذاك النهار، كي تكون المادة التالية على قدر الخيبة والغضب المطلوبين.

أنا أهدد الأمن العام اللبناني، أو يمكن أن أكون. لا مظهري ولا بطاقتي الجامعية أو أي شيء يمكن أن يقنع الضابط الخمسيني على الحدود اللبنانية أني لا أدري وجود توقيع ناقص في تصريح دخولي إلى لبنان. لم تجد كل أيْماني في إقناعه أنهم في دمشق أخبروني أن الورقة “خالصة” أي لن أواجه مشاكل في الدخول إلى المربع الأمني الخارق القدسية “لبنان”.

لم ينتبه الضابط ذاته إلى التوقيع المفقود قبل أن يطلب مني العودة للحدود السورية أولاً والحصول على الورقة الأصلية لا النسخة المصورة عنها التي قدمتها له في البداية، لم تكن مشكلة أبداً أمام طلبه إعادة الورقة إلى دمشق، يوم الجمعة كي أطلب من دائرة الجوازات الفلسطينية ختماً آخر. امتحاني السبت اليوم التالي مباشرة، ولا طائل ابداً من العودة في يوم عطلة رسمي، وتفويت امتحان التوفل الذي كلفني مرتب شهر ونصف لم يكن سهلاً لأن توقيعاً أجهل ضرورته ببساطة كان مفقوداً.

كان استعطافاً في البداية. حاولت استخدام بضع أنوثة أو طفولة لم تجد أيضاً، لأتحول إلى بكاء لم أتمكن من السيطرة عليه، ست ساعات. نوبات بكاء هادئة أمام الدرج العريض عند صالة الحدود اللبنانية. بعد أن وافقت على انتظاري طلب الاسترحام لدخولي استثنائياً إلى لبنان دون التوقيع الخطير. لم يكن بكاء متواصلاً. أعلم، ليس بكاء فتاة فلسطينية او سورية مهماً لأي أحد هذه الأيام. لكن، كان بكاء لنا كلنا، نحن المبصوقون قبل سبعين عاماً هنا وهناك باسم القضية المشؤومة. بكاء تميزنا في اللهجة وأسلوب الحياة، وطريقة التفكير والأحلام، والبيئة .. فقط لأننا فلسطينيون. بكاء عجزي أمام موظف لا يمكنني إلا أن أطيعه بصمت عندما طلب مني أن أخرج من مكتبه إذ لا عمل لي هناك.

في العاشرة من عمري، في مدارس وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين الفلسطيين، أذكر تماماً ما قاله “عوني موعد” مدرب الرقصات التراثية الفلسطينية، محاولاً أن يفهمنا ماذا يعني أن تكون فلسطينياً وقتها قال: “أن تكون فلسطينياً يعني أن يصعد كل أصدقائك إلى الطيارة مع فيزاتهم، لتنتظر أنت في الممر دون أن تفهم لماذا تنتظر. وكم ستنتظر.” أخبرنا وقتها أننا سنرقص في الزي الفلسطيني في مهرجان الطلائع لنوصل هذه الرسالة، لنخبر الجميع أننا فلسطينيون، لندعوهم أن هيا “اشتروا بنا بالمبلغ الذي تريدونه، المهم أننا فلسطينيون ومعذبون ولنا تراث وهمي”. أسترجع ذلك، وبعد ثلاثة عشر عاماً، أجلس على الدرج الرخامي بدموعي تغسل وجهي، دون أن ينتظرني أحد في بيروت أو دمشق. لا طيارة أصلاً، أو لن تكون.

قلتها مرة وندمت تماماً، أن كفلسطينية، أتنازل عن أرض لم أعد أمتلكها، ولنقل سقطت بالتقادم، التخاذل والخيبة. لكن لا يمكنني التنازل عن هوية، عن جواز سفر صالح، وعن حق بالانتخاب والترشح وجنسية حقيقية. أي ألّا أبحث بين أسماء البلدان عندما تُطلَب جنسيتي، هل أنا سورية أم أنتمي للضفة الغربية وقطاع غزة؟ أضع هذه أو تلك في استمارات طلبات التقدم للجامعات الأوروبية التي سأمتُ أملي في الوصول إليها يوماً.

لا أعلم إن كنت أكتب هذا تعقيباً على تصالح فلسطيني “لا يهمني أبداً”، أو على قرار منع سفر الفلسطينين إلى لبنان منعاً باتاً. لا أدري صدقاً إن كان هذا تعليقاً على رسالة وجهها وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي (والذي لم أنتخبه ولم أنتخب رئيس حكومته أو دولته لأن أحداً لم يسألني رأيي أصلاً) وجهها إلى نظيره اللبناني، مؤكداً له أن لا تنازل عن “حق العودة” ولا تجنيس للفلسطينيين في دول الجوار، حتى لو عنى ذلك انتظارهم نصف قرن كي يعودوا. هو أراد أن يقول “حتى لو ضربوا راسن بالحيط” لكن يبدو أن مصطلحات الدبلوماسية السياسية لم تسعفه هذه المرة.

في مخيمي الذي رحل أو رحلت عنه قبل عام ونصف، ذاك المستعصي على المصالحات أو التطهير أو أي وسيلة للعودة إليه حالياً، حاولت مع مجموعة من شباب فلسطيني أن نفكر في تجمع فلسطيني يمثلنا. ليس جبهة ديمقراطية أو شعبية او قيادة عامة أو حماس أو فتح أوجهاد إسلامي. هو تجمع للشباب الفلسطيني المستقل ذاك الذي فقد الأمل تماماً في أي قيادة فلسطينية لم يخترها أولاً، ولم تستطع أن تفرض نفسها عليه منطقياً ثانياً. كان هذا قبل أربعة أعوام. لم يعد أي من اصدقائي في سوريا هذه اللحظة.

لأخبر الجميع، وربما تعلمون. فتح تسرق حماس تسرق والجهاد يسرق، ومابقي من تنظيمات يعيش على فتات السرقات التي تتركها لهم التجمعات الكبرى. ولا يهم. فالرئيس الفلسطيني يريد أن يعود لصفد زائراً فقط لا عائداً، هو مع ذلك يؤكد لنا نحن المرميون في دول اللجوء أنه متمسك بحق عودتنا “للهفا”. ومن كان على طرف النقيض معه، أي حماس، أصبح حليفاً اليوم، أو هكذا نظن.

أعود لأؤكد أن لا مبرر لمعاقبة فلسطييني سوريا بغباء عشرة أوعشرين فلسطيني حاولوا الهرب بفيزا مزورة. ولن ينال تصريح دخول الفلسطيني إلى لبنان، من هيبة الحكومة الللبنانية المظفرة. ولا داعي لأن تنشر صحيفة النهار رسالة الوزير الفلسطيني المقال من أدمغتنا نحن كي نفهم أنها تكرهنا. نعم . لا مبرر.

Advertisements