يختلف الشتاء ..

بحديث الموت أصحو هذا الصباح، تتبادل شريكاتي في السكن تجاربهن مع الموت، إحداهن فقدت أماً في العاشرة، والثانية كانت تمسك يد جدتها عندما لفظت أنفاسها الأخيرة قبل أسبوعين.

أتجاهل الاستماع مصممة إكمال ساعة نوم إضافية، توقظني “لينا” كي أشاركهن الشاي .. وبضع حديث ..

لم تتعدى تجربتي في الموت صديق والدي الأقرب، توفي “عمو حسين” .. اذكر تماماً ذاك الصباح .. صوت قراء القرآن .. صدمة الرصيف المقابل لمدخل بناء منزله .. يعج بالشباب .. إخوته .. أبناؤهم .. وأطفاله الثلاثة .. مازلت أذكر تماماً “هيا” ابنته .. كبرت عاماً ذلك اليوم ..

لا يمكنني التذرع أني أعلم ما معنى أن تفقد غالياً إلى الأبد .. فكرة الموت تحرك عيوني بغزارة غريبة .. أذكر تماماً صباحاتي الباكية في الأسبوع الذي تلا وفاة “عمو حسين” .. مجرد تفكيري أنه والد أحدهم كان يرميني بين ذراعي والدي .. “أرجوك لا تمت مثله .. ابق معنا” … كنت أرجوه ..

حتى اللحظة تغص عيناي بدموع حارة لمجرد أن أذكر وجهه .. لم أوفر دموعاً اليوم أيضاً خلال الحديث .. رغم برودة صديقاتي وهن يقصصن كيف توفيت والدة وجدة كل منهن ..

يمكن أن يهرم المرء في يوم واحد .. هذا ما اتفقنا عليه في النهاية ..

متجاهلة ماتبقى من اليوم .. يأتي المساء .. حديث العاصفة الثلجية يتخطى الجميع .. لا يشعرون بالبرد حقاً .. لكنها عاصفة .. يكفيها أن تكون كذلك لنتجمد كلاماً .. هواء .. واختلافاً طبقياً للنخاع ..

فيسبوكياً .. يجد السوريون موضوعاً مختلفاً للنشر .. كل منا يروي برده الخاص .. صديقتي في دمشق تقول :”لا أحبذ دفء مكيف الهواء .. لم تنطفئ مدفأة المازوت منذ الصباح .. وشوفاجات المنطقة تعمل أيضاً رغم ذلك لا اشعر بالدفء”.
تضع صديقة أخرى صورة لمخيم سوري على الحدود التركية تحت تعليق: “لسا بتحبو التلج؟”
وآخر يقول: “كل ما يأتي من روسيا يحتاج معطفاً لتلقيه” .. تمنعني سذاجتي السياسية من فهم معنى الجملة المبطن .. لكن أوافقه بالرأي ..
أنا .. أكتب ما تقرؤونه الآن .. مؤكدة أني لن أتحدث عن العاصفة كالجميع .. مقنعة أنا للمرة الألف هذا النهار .. أنا لست أشبههم .. رغم يقيني أني في الحقيقة أفعل ..

هنا .. في المدينة الجامعية .. الغرفة السادسة .. لكل من صديقاتي غطاء واحد سميك .. لدي اثنين .. أربع أغطية سميكة لثلاث جميلات لا تكفي .. نجمع الاسرة معاً .. نكوم الأغطية للجميع .. يبتعد الثلج إلى ما خلف النافذة ..

ينتهي اليوم .. بضع اختلافات تستحق التدوين لا النشر ..

تصبحون على خير ..

Advertisements