توروسا ..

رطوبة المكان واخضرار الأرصفة المتشمسة .. ضيق السرير الذي يحتويها والوسادة الزرقاء .. هي صيدا إذاً وكل ماهناك يتكلم باللهجة الساحلية .. صديقتها في دمشق كانت قد اشترت جزمة بنية للشتاء الشامي الطويل بثمانين ليرة سورية لاغير .. محل ثياب مستعملة في إحدى ضواحي بيروت .. لم تفهم أين .. خمس وأربعون دقيقة فقط تكون هناك .. من صيدا تصبح الأشياء أقرب ..

السادسة والنصف مساء .. إن غادرت اللحظة لن تتمكن من العودة اليوم .. عليها أن تجد مكاناً تبات فيه .. إلغاء فكرة الذهاب مستحيلة .. ستنام عند صديقها في الأشرفية ..
2طرطوس
والدها يصرخ أن تأكدوا من إقفال الباب وحمل البراد .. أمها وجدتها يناديانها لتلحق سيارة السوزوكي هاربة معهم .. دمشق تمطر ناراً .. لا تعلم أين سيهربون .. كانوا ممن استطاعوا إخراج بعض أغراض المطبخ .. كل شيء رمادي كان حولها ..

توضب أغراضها للذهاب كما فعلت منذ ايام للغرفة الجديدة .. اعتادت أشياءها في حقائب داكنة .. في منزلها الأول كانت تهوى إعادة ترتيب خزانتها كل مرة .. اليوم لا تمتلك سواها .. يحدث للمنزل أن يصير حقيبة .. يحدث للأحلام أن تختبئ في كيس نزوح ..

صديقها اللبناني لا يرد .. لم تصله رسائلها الزرقاء بعد .. موعد السيارة الأخيرة ربما يفوتها .. كما السوزوكي المتهالكة عند باب النزوح .. رحلوا جميعاً لتبقى وحدها في مخلف الركض البلاستيكي ..

ربما تسافر بيروت في زورق صغير .. ليبلتعها البحر الأسود المتوسط كما فعل بالشقيقات الثلاث قبل أيام ..

تزور القلعة الصغيرة بأرواد في زورق الموت ذاته .. المهم أن تشتري الجزمة البنية قبل الشتاء .. حصل أن تناولت جزمتها الرمادية ثلجاً كثيراً رأس السنة الماضية ..

شرفة المنزل المقابل مبتلة بالغسيل الرطب كعادتها .. تستيقظ .. اخضرار المكان يشي بلهجة الأرصفة .. هنا .. في طرطوس ..

تتلمس عينها اليمنى لتؤلمها في انتفاخ أحمر .. كل تشرين تحتقن الحماقات في عينيها .. تلك التي لم تستطع أن تملأ شفتيها تحتشد في أجفانها الناعمة .. لن تستطيع إلا أن تتجمع هناك يوماً ..

Advertisements