مجزرة البيضا

لنأت لتوصيف الوضع هنا يا أعزائي:

أنا .. ودائماً لنرجسية لا مبرر لها .. أبدأ من ذاتي .. أنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً .. بضع صفعات أتلقاها بهدوء مع كل صورة جديدة .. لمجزرة أخرى ..

كنت في دروس التاريخ التي تكلمت عن مجزرة دير ياسين وصبرا وشاتيلا .. كنت دائماً أقنع نفسي أنها حدثت في زمن مضى .. لن يعود .. وأن أولئك الذين ذبحوا بالسكاكين محض شخصيات تاريخية لم أتعمق في التأكد من إنسانيتها، لا أحتاج لوخزات ضمير وحقد على الدولة الكريهة .. “إسرائيل”..

صورة واحدة فقط عن المجزرة اللبنانية رأيتها عندما كنت في الصف الثامن .. اعتبرت أني تعرفت على قصة وحشية لن تتحقق يوماً ..

اليوم .. بعد صباح تلقفني دون أن يشاء .. أفتح حاسبي المحمول .. أقرأ منشوراً لصديق لاأعرفه إلا افتراضياً .. نشر مقطع مصور للمجزرة البيضاء .. تحت عنوان .. مشاهد جديدة لمجزرة البيضاء .. وكأنها آخر البوم لمطرب من أولئك المنتشرين على فضائيات العهر العربي .. ليضع حفنة مغفلين إعجابهم بهذا المنشور .. أنتقل إليه .. ويا ليتني لم اره ..

المشكلة يا اعزائي أن الحديث عن المجازر المتكررة بات مبتذلاً حقاً .. كما دموعي الآن .. لا جدوى منها .. وماذا إن كتبت عن استنكاري وغضبي الأبكم؟؟ .. هل سأحمل السلاح لأدافع عن تلك الطفلة التي قتلت في خزانة أمها .. سأقنع ذاتي ان أمها أخبرتها أن تلعب الغميضة .. وأنها صدقت تلك الكذبة حقاً .. لم يؤلمها إلا أنهم وجدوها .. لم تكن طعنة السكين مؤلمة بقدر الخسارة ..مجزرة

لنعد إلى مقطع الرعب المصور تحت ضوء المصباح الصغير .. جثث مرمية لثلاث عائلات معاً .. كلها تماماً لنساء وأطفال فقط .. كأنها دمى بشرية .. أحاول ان اكذب على عينيي المصدومتين بالمنظر المروع أنها دمى حقاً .. وأن أولئك ليسوا أمهات وأطفال فقط .. أنهن قتلوا أمام بعضهم .. لا أشفق إلا على من قتل اخيراً .. إذا لنضع كل أفلام القتل التافهة جانباً .. كل الأفلام الهوليوديية على رف الخزانة في بيتي المهشم .. ليس أي منها حقيقياً .. هنا يا أعزائي لا مخرج ليقول .. Cut .. هنا لا ممثلون .. لا فنيو إضاءة .. لا احد .. أشك في وجود الله هناك ..

ماتوا جميعاً .. قتلوا جميعاً .. الباقون ينعون الآن .. لم يستطع أي منهم أن يوقف ذلك .. لم يشأ الله أن يجعل النار برداً وسلاماً على الجثث المحترقة ..

لا فصح اليوم .. لا عيد .. لا سلام .. قرية البيضاء .. اعذريني لتفاهة مفرداتي أمام هول الحدث .. لكني اعترفت منذ البداية .. اني لا أستطيع إلا الكلام .. أني بذلك العجز حقاً ..

Advertisements

معبود العرب

طيب .. هذه المرة لن أدع أفكاري تجتمع مع صديقاتي على الحوائط الزرقاء طي الإهمال .. هذهالمرة يا اعزائي لن اتذرع بضرورة البحث عن المعطيات الكاملة لأبدا كتابة المقال ..
atab
طيب لن اسميه مقالاً على اي حال .. مجرد “فشة خلق” كملايين نتفرغ نحن العرب .. نحن السوريون بشكل خاص في كتابتها وقراءتها طوال الليل والنهار .. خربشات فيسبوكية تؤكد لأي منا أننا مازلنا احياء .. وأنه في ظل التقشف الكبير في كل الضروريات الحياتية .. مازال لنا رأي .. مازلنا نستطيع ان نعبر عما نريد .. بضع كلمات سوداء على الحيطات الوهمية ..

ينتهي برنامج الملايين على الشاشة الفضية .. لا أحتاج حتى ان اذكر اسمه حتى تدركوا عن اي يرنامج وعلى اية محطة عهر عربي أتحدث .. حتى دون ان ينتهي .. تمتلأ جدران المجانين الافتراضيين بكتابات الولاء للفنانة .. بكتابات الحزن على الفنان .. أنهم حقاً كلهم يشعرون بدموع قصي خولي .. وأن الحقد الخليجي على السوريين كافة .. يتلخص في وقاحة احلام .. كلهم يشجعون الموهبة الشقراء مجاناً .. دون أن يكون في جيبة اي مننا نحن السوريين ما يكفي لنتصل ونخسر 25 ليرة في التصويت الحقيقي لها ..

افهموني جيداً .. لا أدعو هنا إلى التصويت لها والخروج من العالم الوهمي الأزرق .. لا اتحدث هنا عن تفاهة اولويات شعب يبكي الكثير .. أتكلم هنا عن تفاهة الموقف .. فداحة إنسانيتنا .. بشاعتنا كعرب .. كسوريين ..

هناك من يقول: لنسسَ الألم قليلاً .. نعم دعونا من كل ما يغزونا من موت طوال النهار .. ويحق لنا بضع ساعات من السعادة المؤجلة .. حتى وإن كانت وهمية .. حتى وأن غالبتها دموعنا ان لا احد يشعر بنا .. حتى وإن تابعنا البرنامج العظيم على شاشة النزوح في بيت أحدهم .. لايهم .. المهم انه يحق لنا الهروب مما نحياه لصوت “أوبرالي” .. لتبق سوريا موجودة على الخريطة .. الغنائية ولو كانت هذه الفترة .. فمتسابقينا الاثنين يرفعون اسم الوطن في الخارج يا اعزائي .. نعم هم يغنون للوطن .. كي يشحذ باقي العالم ما تبقى من نصاله ويرسله إلى هنا .. باسم السوريين .. ليقتل ما تبقى من سوريين أيضاً ..

طيب انا لست سورية وحسب .. ولا يمكنني أن أهمل التطرق إلى الوضاعة الإعلامية لبرنامج يكلف ملايين الدولارات في وقت يعيش فيه 80% من عرب القدس تحت خط الفقر .. إذا لا بد من اناول القضية هنا .. وابراهيم عساف يا اعزائي يعمل للهدف ذاته .. عباس يركض لكرسي أزرق في الأمم المتحدة حتى وإن كان بربع الوطن .. وعزيزنا الأسمر يغني ليرفع اسم فلسطين عالياً .. اي يمكنني ان افهم أن الشعب العربي سيضغط على حكامه ليحرروا القدس هذه المرة إن تمكن عساف من النجاح وأن يصبح معبود العرب .. لا يمكن إلا ان تفهم ذلك بعد كل ما يرميه فياض افتراضياً وربما حقيقياً .. فذاك الأخير يمكن أن يقايض دم شهداء غزة في الحرب الاخيرة ببضع مكالمات يصوت فيها للبطل الوسيم .. خلال ساعة فقط يضع الزعيم الفلسطيني على صفحته الشخصية ثلاث منشورات مخصصة للمطرب الشاب .. وليمت ما تبقى من شهداء .. ولينتحر ما تبقى من اشراف .. لا يهم .. مئات الآلاف من الفلسطيين النازحين من مخيمات اللجوء في سوريا ينتظرون على طوابير إعانات الأنروا دون ان يأتي عباس أو فياض أو مشعل لزيارتهم .. لا اقول في سوريا .. لنقل في الأردن او لبنان .. لكن لا يمكن للزعيم المفدى ألا يطلع على صحة ممثل الجمهورية الباكية ويرسل وفداً لزيارته شخصياً .. إن تضرر صوته يمكن ان تخرس القضية الفلسطينية عن العويل ..

قبل ايام تحدثت امل عرفة أننا نحارب بالفن .. وانه لا يمكن للدراما السورية أن تتوقف رغم ما يعصف بالبلاد من مآسي .. فرسالة سوريا الإنسانية لا بد من نقلها عبر “باب الحارة” و”ابوجانتي” .. لايمكن التوقف عن هدر الملايين ليتمتع باقي العرب بمشاهدة القصص السورية .. لا يهمم الحقيقي منها ومايعرض في نشرات الأخبار .. الأهم يا اعزائي ما تفعله ممثلاتنا الجميلات في تبرجهن المثالي ..

أي هذا الرمضان صحيح أن ثلثي السوريين سيمضونه خارج منازلهم .. وربما خارج الوطن كله .. صحيح أن نصفهم لن يجد ما يتناوله عند الفطور ونصفهم الثاني سيجتمع بفرد او أكثر من أعضاء عائلته استشهد أو اعتقل أو خطف .. لا يهم ذلك كله .. المهم ان الحصيلة الفنية من الدراما السورية ستتخم المواطن السوري والعربي كما اعتاد .. أنه لن يمل خلال صيام النهار الصيفي الطويل .. إإن لم تعجبه أصوات الرصاص والقذائف المتتالي … ستكون امل عرفة وسلاف معمار لا أعلم من بالضبط .. سيكونون في كامل استعدادهم ليرفهوا عنا قليلاً ..

أمل عرفة قالت أنه لا يمكن أن يتوقف الممثل السوري عن العمل .. لكن يمكن لأعمامي وآباء أصدقائي التوقف عن العمل تماماً مع تهشم محلاتهم التجارية في مناطقنا المنكوبة .. نعم يمكن لهم أن يتوقفوا عن العمل في سبيل أن يبقى الفن مستمراً ..

رسالة الفن باتت أقوى من رسالة الإنسانية كما يبدو .. أو لنقل .. بتنا بتلك التفاهة .. بتلك الهشاشة .. بتلك اللاإنسانية ..