اعذريني هذا العام

بياض الورقة يكسوني.. يكفِّن الأحرف العفنة في دماغي، أفكاري مشلولة، والمشاعر الباردة مذاقها رديء، لا تصلح للكتابة.

أتأمل ما حولي ، خزانتي وبضع أشياء مهملة على ظهرها، هاتفي الأبكم منذ شهر أو أكثر، ألفت صمته المزعج ذاك..NEWS2_M11_D06_7-8

أناشيد الاحتفال المقيتة تدك الدموع في رأسي، هو عيد لاستفزاز الانسانية لا أكثر، وكأنها لم تشبع تحدياتنا الحيوانية بعد.

ليس يوماً ربيعياً هادئاً كما تعلمين، أمقت كل تفاصيله كنت وما أزال، لكنه في العام الماضي تحدث بلهجة أخرى.

منذ عام في هذا اليوم التقيته أول مرة، بين ازدحام المسرعين لاحتفال أسري دافئ، اجتمعنا على قالب واحد، لم يكن سواه متوفراً، رفضت العودة إلى المنزل دونه، إصراري على الفوز بالقالب أمام “نديم” المشتري المنافس، ُقتِل بهدوء، دفع سعراً لم أستطع المزايدة عليه. في ذلك المحل الممتلئ ألواناً حلوة المذاق، كانت ابتسامة انسحابي أطيب من كل ما عرض في البراد الزجاجي، بعد بازار استمر دقيقتين، صَمتُ مع مبلغ 3000 ليرة، كان مستعداً لأن يدفع المزيد، لكنني لم أستطع. صاحب المحل لم يدهش لتلك التضحية مثلي، ربما اعتاد تلك الغباءات في مثل هذه الأيام الحمقاء.

خرجت غاضبة أزجر الدموع عن الخروج من مقلتي، سأعود صفر اليدي دون ما أطفئ عيداناً ملونة عليه. خيبة أخرى في أول يوم ربيعي كانت. يتبعني صوت كان يضربني بالأرقام منذ قليل، لاهثاً من الركض ورائي، قال:” لو سمحت نسيت هذا، أوصلي تحياتي لأمك وقبليها عني”. عجزت عن رسم ابتسامة شكر أو قولها، لكن يبدو أن صدمتي تمكنت بذكاء أن تخبره، قلت:” لا بد أن أعطيك سعره لاحقاً، هذا رقمي.”

انتصارٌ مزدوج، علبة بيضاء مع حفنة شموع في يدي، ورقم شاب مجهول في هاتفي. ربما فاح شذى أنوثتي المغلقة قسراً لتطلق تلك الكلمات، أو رغبة في انتقام حوائي من غني أحمق كان من أنعشها. كيف تجرأ أن يصل لهذا الرقم، حركة مقصودة لإذلالي كانت، كيف استطعت أن أقبلها، لماذا لم أرفض، أهي حاجتي الماسة لتلك العلبة من أخرسني، لا أدري، لكن فكرة مكالمته لاحقاً لم تتركني لأطاردها في دقائق الفضول. كانت حبيسة يومي حتى المساء.

تأكدت أنها لم تكن خطوة عفوية أبداً، لم ينتظر بضع ساعات حتى رأيت هاتفي يلفظ اسمه، سجلتُه أمي وقتها، لم أسأله عن اسمه وقتها، توتري أمام ابتسامته البريئة أفقدني القدرة على نطق حرف واحد أكثر، هو أيضاً لم يطلب تعارفاً بالأسماء.

لن أسميه قدراً، ذلك أنه لم يترك لي فرصة لأحبه أو أتقبله يوماً، لم أقتنع وقتها أنه هو من جمعنا هناك، وحتى إن كان المسؤول عن ترتيب صدفتنا سوية، لا يستحق الشكر عليه، هو تعويض منقوص ينتظر المزيد. لكن الهاتف ” القدري” ذاك امتد ثلاث ساعات كاملة، انتهى باعتذاره الذهاب ليقبل يد أمه. صوتها مازال حاضراً في ذهني: “نديم، أين أنت ألن تعايدني؟”

كل كلمات حديثه الطويل هربت من ذاكرتي، وسؤال وحيد ندمت حينها لأني لم اطرحه ألح علي بإزعاج كريه، كيف تدبر أمر قالب الحلوى في هذا اليوم التعيس، وهل قدّرت والدته كرمه الأخرق مع غريبة، لم يتركني فضولي حتى وجدت نفسي أكلمه في الثانية فجراً أستكمل الحكاية، لم يعطني جواباً أفهمه، لكن أمه كانت سعيدة، هذا ما وصل لي.

تلك المكالمة الليلية الطويلة صارت عادتي كل يوم، قبل أن أراه للمرة الثانية، في صيف تموز المشتعل كانت عيناي تلتهب حباً، فضحتني حركاتي الفوضوية أمامه، لكنني عدت للدهشة الأولى مع كلمة “أحبك” قالها لي.

لن أدعي أنها القصة الأجمل، وبأننا العاشقان المحسودان في كل مكان. أيام رتيبة أسقمتنا أحياناً، ونزاعات مفاجئة تولت كسر تلك الرتابة أحياناً أخرى، لكننا أيقنا أننا مغرومون، وبأنه زوجي سيكون. كنت الطرف الأضعف في هذه العلاقة، وثمن ذلك القالب الخفيف، ولهٌ من العيار الثقيل، أحبني أعلم، لكن ليس كما فعلت.

لا أملك الشجاعة الكافية للتحدث عنا أمامك، ونبش كل تلك التفاصيل المزدوجة معاً، لا أستطيع حصرها كلها هنا، لكن كلماته ونبرة صوته في وداعنا الأخير تحيا بامتنان لحزني حتى الآن.

لم يكن وداعاً سينمائياً، دافئاً حد الواقع كان. يقيني بعودته بعد عام، استمرت في منعي أن أتوسل بقاءه، سيرجع في أيلول القادم، لا داعي لدموع حارة في يوم خريفي باهت. لست من النوع الدراماتيكي عادة، لم أحتج أن أكون، حتى يومها..

هجرة حتمية كانت السبب، لم يرض أن يسمِّها أكثر من إجازة عمل، هرب من فوضانا هنا، انتظار للهدوء من هناك. المهم أنها لن تطول، لم يجد عملاً حتى الآن، آخر رسائله الالكترونية النظيفة مشاعراً وشوقاً، اعترف أنه أعفاني منا، وأنني حرة إن أردت، لم يفسر قراره الهادئ ذاك، لم أطلب واحداً أيضاً، مضى أسبوعان على قرار المقصلة هذا.

محصلة خساراتي لهذا العام بدأت مبكراً، أصدقاء، عملي، شغفي للحياة، ونديم. سأتركها مفتوحة لفراغات أخرى. ما تفقده لا يعوض إلا بالفراغ، ممتلئة به الآن، وباحتقار لهزيمتي الأكبر مختنقة اليوم، كنت ومازلتِ خسارتي الأعظم منذ إحدى عشر عاماً.

أمي لا تغضبي، احتفالي لوحدي مع هدية نديم العيد الماضي، لم يجعله يوماً أنعم. اعذريني هذا العام، سأحتفل، بك طبعاً، لكن معها، أمه تنتظرني لنستفز أقدرانا سوية، هي تحتاج ابناً، وأنا دونك أعوزها.. أتمنى أن تصلك هذه الرسالة قبل إطفاء الشموع هناك..

كل عام وأنت بخير..

Advertisements