العطر الأخير

كبيدق شطرنج أبيض تخرج من الحمام إلى غرفة نومها، هي خطوات فحسب، لكن يجب أن تحسب بذكاء كي لا يداعب دفء قدميها العاريتين جليد البلاط، تقفز في ثوب الحمام الوردي من الباب المغشى ببخار استحمامها، إلى أقرب سجادة منها فباب غرفتها، تغلقه خلفها كمن استطاع الهروب بأقل الخسائر.

292193_416631495048146_644236732_n

أمام مرآتها الفوضوية تجلس على كرسي وعدته يوماً أن تكسيه ثوبا أبهى، كما وعدت تلك اللوحة العاكسة بالتنظيف أيضاً. أي منها لم يتحقق حتى الآن.

قبضتها الصغيرة تختفي في خيوط شعرها البني، تسرحه بهدوء كمن يؤدي طقساً طوطمياً مقدساً، لربع ساعة أو أكثر تسامر الخيوط المتموجة متفحصة كل تفصيل أمامها كأنها تراه لأول مرة.

هو وجهها ذاته، ربما استرق وهجاً أدفأ، لا تطمع بأن تغلي كل تقاطيعها الناعمة، يكفي أن تلتهب عيناها لتصبح بحرارة ما كانت تستحم به منذ دقائق. الملامح نفسها، اعتادت خيبة الأمل تلك، لكنها تستلذ بذلك البحث الكولومبوسي بعد كل استحمام.

لا تصدأ أسنان المشط المعدنية أو تتعب من تسريحها الجنوني ذاك، يدخل في غيبوبة من حياة سابقة. يسير مع أناملها الرفيعة دون شكوى. كما تقبلت مرآتها عملها المتواصل دون أي تقصير.

تخرج من حالة التنويم المغناطيسي مجهولة السبب. تفتح باب خزانتها باحثة عن عطرها البنفسجي، لا تستخدمه إلا بعد الاستحمام. بشرتها الغضة وحدها من يستحق رذاذه الشفاف، ومهما كان ثمن ما ارتدت لن يكون بقيمة مساماتها المختفية. ربما لا يتجاوز سعر تلك الزجاجة أكثر من مصروف يوم واحد لها، لكن لتلك العبوة الرفيعة قصة أخرى.

هدية يتيمة منه كانت ولا تزال، في نهار عادي دون أي مناسبة. لم تعتد مبادرات لطيفة منه قبلاً، لم تحتج أن تعتادها، كانت يتيمة حقاً.

في ذلك المساء الصيفي الدافئ، بعيداً عن عيون المدينة الضجرة، حاول أن يخط لوناً جديداً في علاقتهما. تذكر تماماً كيف شكرته على ذلك الشذى الأول، كانت قبلة بكراً أيضاً.

مضى على ولادة روح الملائكة البنفسجية هذه أكثر من عام ونصف، لم تؤمن يوماً بمبدأ البركة، لكنها تتطلع للسماء كل ليلة بالشكر، على تزويد الزجاجة المنتظرة أختاً بالصبر كي لا تنطفئ.

تلتقطها تربت عليها، وكمن يحل معادلة رياضية تفك وثاقها. قبل أن تشتمها، تذكر ما حصل منذ أسبوع تماماً، لم تصدق كيف مرت الأيام بذلك السباق المارثوني الغريب، مازالا متخاصمين حتى اليوم. كان سببا تافهاً، لم يعتبره كذلك طبعاً، ما أراد أن يقتنع أن تلك الابتسامة التلقائية لحبيبها السابق، لم تكن أكثر من تحية لأيام لم تعد تمتلكها. لساعات مملة حاولت أن تمحي افتراضه الغبي بالخيانة. يدرك ذلك لكنه أراد أن يسجل رقم التنازلات التي يمكن أن تقدمها من أجله. بقي السجل فارغاً يومها مع مكالمة عقيمة. لم تحاول أكثر، سيعود إلى رشده في الصباح، لكن الشمس لم تشرق لسبعة صباحات متتالية.

تروي عروقها الرطبة بماء البنفسج ذاك. ترتدي فستان نومها بسرعة. كل النوافذ حولها مغلقة، تترك واحدة مع الشوق مفتوحة، وتغفو..

مع رائحة عطره الأسطوري على جيدها قبل أن تنام، كان لابد أن يتفرغ لبطولة أحلامها في تلك الليلة. بحنين غجري تصحو لتراه حولها، في كل ما استطاعت عيناها أن تبصر. عبق وسادتها، فستان نومها، أظافرها ، كل ما يحيط بها، برائحة المجرة تلك.

لم يعد مهماً إن طالت قائمة التنازلات لديه. لطالما كان الطرف الأغنى حباً في قصتهما حتى الآن، لن تخسر شيئاً إن سرقت بضع نوبات صبابة من عينيه العسليتين. بأغلى ما لديها ستقسم أنها كانت ابتسامة بتولاً، ستذرف دمعتين أو أكثر إن لزم الأمر. لن توفر أياً من أساليبها النسائية لتعيده إليها. يستحق اعترافاً جديداً بحب قديم، تعلم كم يعشقها، وتدرك المبرر لذلك الشجار السخيف.

تستحضر عوالم عشقها الخرافي كلها محاولة أن تفكر فيما يحب أن يسمع منها في تلك اللحظة بالذات، لا تسعفها مخيلتها في نسج كلمات حب مغرية، لن تفكر أكثر، مهما قالت سيكون محبباً بصوتها الطفولي .

تلتقط هاتفها لتكلمه، تبحث عن اسمه، تأخذ أنفاساً سريعة كي لا يختنق صوتها عندما تسمعه. تمسح دموعها التي قدمت خدماتها قبل أن تطلبها، لا تدري لماذا تبكي، ليس إحساساً بالذنب، ربما شوقاً قاسياً، تسلل لأحلامها بخبث..

لا أحد يجيب، تنهك أذنها من سماع ذاك الصوت المتكرر الرتيب، تستلم لفكرة أنه نائم، لم يسمعه، لعشرات المبررات الواهية، دون أن توافق على السبب الحقيقي الوحيد. هو لا يريد أن يجيب.

بعد دقائق .. يرن صندوقها الصغير، لا بد أنه هو، أحس بالذنب، كان نائماً، أو ربما حاول أن يكتب صباحاً أجمل على شاشة الهاتف الباهتة، كم اشتاقت لرسائله الساعيّة، تغمض عينيها مستذكرة كل تفصيل في حلمها البنفسجي البارحة.

بذات التركيز الذي فتحت به عطر قصتهما، تفتح الرسالة:
لو سمحت أريد كل أشيائي السابقة منك (أعيدي هدياي غداً)

Advertisements

في رثاء مدينة ..

كما ذكرت صباحاً لم تكن حمص مدينتي المفضلة يوماً، وبعد عقد ونيف من استقرار والدي فيها، هي الزيارة الرابعة فقط، لكن لا بد أن ترثى، أن يبكى عليها، أو أن تُهز قليلاً علها تستيقظ من غيبوبتها الرمادية، لابد أن أروي عما لطمني في كل مكان فيها منذ الصباح وحتى اللحظة.

كانت قد تعثرت وسقطت قبل اشهر، حتى الآن تخشى أن ترفع راسها استعداداً لأن تقف مرة ثانية، يمكن أن يشبه الوضع فيها بمجلس عزاء لرجل منبوذ، لا يتلى فيه إلا صوت الريح، وبعض العويل الميت.

حمص، وفي كل مرة أكتب فيها اسم هذه المدينة البيضاء، تلك التي لم تستهوني في أيام عزها وصباها، أكتب خطأ دمشق، لا يمكن أن يبتعد طفل عن أمه دون أن يهذي بها مع رؤية كل أنثى.

لا يمكن أن يوصف الوضع فيها بالطبيعي أو شبه الطبيعي، لم أر دماراً فيها، أو لنقل لم أستطع الوصول للأماكن المهشمة كأعشاش الغربان فيها، لكن وجوه البشر هناك مخربشة، يضحكون ويمشون ويبردون مع كل ريح غربيّة، وهم مهشمون، تحاول حمص أن تسير على عكازات المستقبل الضبابي، ولايمكن للضباب أن يحمل رجلاً، فكيف بمدينة؟

وكأن التيار الكهربائي الإلهي قطع عن السماء فيها، أعلم كان يوماً غائماً، شتوياً بامتياز، ولأول مرة أمقت الشتاء، يزور حمص بلؤم مقصود، ربما لأنها لم تتزين له بوجوه الصبايا الجميلات ولفحاتهن الصوفية الحمراء كما كل عام.

خلال عام ونصف منذ بداية الحرب هناك، لا يمكنني أن أوصفّها إلا بذلك، خلال تلك الفترة لم أزرها قط، أخبارها كانت تصلني مع وجه والدي المتعب أبداً، رفضه تناول الطعام في كل مرة يعود فيها من هناك، بات مبرراً الآن، كل القصص والسيناريوهات التي حدثوني عنها يوماً في حمص، ترتسم أمامي في الشوارع المتورمة إثر ضربة الأمس.

يمكنني أن أتخيل ما دار، أصوات الرصاص التي لم تغب حتى اللحظة يسهل تصورها في زخمها البارودي، دموع الجميع رجالاً ونساء تحملها إشارات المرور المعطلة في كل زوايا المدينة.

لم أعتبر حمص يوماً مدينة بهية، عادية جداً، كوصفنا لصبية ناعمة الملامح دون جاذب معين إلا هدوئها، لست من مفضلي الهدوء طبعاً، تحاول العودة لهدوئها الانثوي المفتعل السابق، لكنها لا تستطيع، لا يمكن أن يصدر الأخرس إلا موسيقا الصمت، لم تعد زينتها الوحيدة بل صارت ندبتها اليومية.

يصعب علي الحديث عن مدينة لا أعرفها كما يصعب علي رثاء شخص مازال حياً، مع وقف التنفيذ، تسمع ما أخطه الآن عنها، تبكي وتنوح، لأني لا أكذب، تبكي على حالها، وعلى نصف أبنائها ممن لم يعودوا اليوم، لن يعودوا قريباً، أبداً.

وأخاف أن تغدو عشيقتي الأولى دمشق كحال أختها البيضاء، أن أرثيها يوماً باكية على مسامعها.

وهيك وقصص!

إذاً لا مزيد منك.. أوبعض كوابيسي التي ضقت ذرعاً بها .. لأنها لك .. وتلك الروايات التي أسميت كل عشاقها بأحرف اسمك .. لا مزيد منها ..

انتهت فترة الانتظار لتجيب .. لتبادر .. لتنتهي من همومك التافهة وتقول : اشتقتك اليوم ..

الآن سأتوقف عن النظر لصورتك اليتيمة .. عن استرجاع محادثاتنا القديمة .. تكفي كلماتك الأخيرة البائسة.

نعم سأنسى عندما نظرت إلى عيني في كل مرة .. وسألتني عن أحمر الشفاه الذي كنت قد وضعته تواً .. وبضع تفاصيل أخرى تفتت من فرط الاستخدام في ذهني .. سأتنازل عن كل هذا لأني قررت .. ولأنك غبياً كنت .. وأنا التي أخبرتك مذ بدأت أنني أكره الشاب الغبي ..

ليس الجاهل يا عزيزي .. بل الغبي ..

ربما لن تعود .. وأنا التي أردتك أن تعود .. أحببت أن تكون حلماً جميلاً مر .. أني للمرة الأولى أقول اني هذه المرة حقاً أحببت .. لكنك لن تعود .. ونعم لا أريد أن تعود .

لا لدموع الغيرة لأنك ابتسمت لها .. ولأنيَّ عندما همستْ كلمات في أذنك لم أستطع تمزيقها .. أنا أفضل الأخريات .. أنا لست أخرى .. صدقني .. وستدرك ذلك …صدقني..

عد إلى كتبك الغالية .. وبضع موسيقى متكلفة .. واترك تلك الفتاة التي استغربت بقاءها دون رجل .. تنتظر أحداً آخر .. ليس غبياً هذه المرة.

زمهرير ..

salvador-dali-enfgeoلا أكتفي من الضحك باحثة عن موضوع يمكن أن يرسم ما يدور في ذهني هذه اللحظة.

بصراحة لم أفهم أكثر ما كنت قدر قرأته عن ذلك الفن الغريب الذي أسموه السريايلية.
وبحثا عن أي شيء قد يضرب جدار الفكر عندي مصمماً بعناد أحمر أن يظهر في نهاية الأمر سريالياً أكتب دون التطلع لشكل الأحرف على الشاشة .. واضحك ..

في الحقيقة بعد قراءات متواضعة لا تكفي لأن أقول بت أملك فكرة عامة عن هذا الموضوع لكن كنت قد فهمت التالي:
أنها حركة فنية اولاً تتجلى بوضوح في الفن في الألوان .. في سلفادور دالي تحديداً ..

أنها تأتي بي إلى حيث ما أفكر فيه قبل أن أنام في تلك اللحظة التي أقع فيها ويتحرك جسدي كله .. وأنا على السرير .. أو في محاضراات الدكتور محمد الرفاعي عندما أفكر أني لا افكر ..

أنني يمكن أن أرسمها بالأدب من باب أن للكلمات قوة عجائبية على رسم ما لا نستطيع تخيله ..

لن أدعي محاولة فهمي لها .. ذلك اني لم أستطع .. لقلة إدراكي ووعي الفني والثقافي ربما .. أو لارتباط هذا الموضوع بشخوص وصور معينة لم أبذل جهداً يوماً لفهمها ..

تشبه السريالية ربما ما يأتي من صفير شيطاني في دماغي وعلى ذراعي كل ليليتن .. أو ربما تلك الصفحات البيضاء التي ما انفك أحاول إبعادها عن عيني قبل ان أنام .. لا أدري لماذا تزعجني .. أدرك صغري اللامتناهي في تلك المساحة الفارغة التي حاول ملأها بخربشات سوداء لا مفهومة .. لأختفي اكثر بين كل ما لا استطيع قراءته ..

في محاولتي الفاشلة كما أظن لفهم السريالية التي أدركت اخيراً .. أو أفهمت ذاتي أنه من الصحيح ألا أفهمها .. لأن ذلك فكرتها الأساسية أولاً .. سأبدأ بقراءة كتاب “يوميات عبقري” لسفادور دالي .. لا أدري إن كان يترجم لوحاته الفنية في مذكراته الشخصية هذه .. وفقاً لما طالعته عن سيرة حياته .. يمكن أن يتمتع بهذا القدر من التناقض ..