نكوص

كان في الصف السادس عندما أحبهما معاً للمرة الأولى.. لا يفضل الطعام حلو المذاق .. لكن في حصة اللغة الانكليزية .. بعد أن أخبرتهم المدرّسة العشرينية أن كلمة مربى تعني “marmalade” .. أعطته لقيمة من مربى المشمش البرتقالي على خبزة صغيرة مدهونة بزبدة طرية .. للمرة الأولى يشعر أن للمربى مذاق حقيقي .. ربما لأنه كان يحبها .. أو لنقل معجباً بها جداً .. ففي ذلك السن لم تكن مشاعره الحقيقية قد نضجت بعد .. لكن ما استطاع إلا أن يمضي الخمسة والأربعين دقيقة اليومية في الابتسام البريء لها .. علها تطلب منه حمل حقيبتها السوداء مع علبة الطباشير للصف المجاور أو ربما تخبره أنها تريد منه إيصالها إلى المنزل ..
images (3)
حدث هذا حقاً في السبت الثاني من آذار من ذلك العام .. عيد المعلم .. وعشرات الهدايا المصفوفة على الطاولة الخشبية المغطاة بشرشف وردي .. لم تعط الآنسة “أميمة” وقتها أي درس .. كل الحصة كانت مخصصة لفتح الهدايا المقدمة من طلابها الجميلين .. ولأنها كانت الحصة الأخيرة في البرنامج اليومي اجتمعت على الطاولة ذاتها هدايا كل الطلاب من الصفوف الباقية .. لم تكن مفتوحة بعد .. ومع إصرار طلاب صفه .. بدأت بابتسامة الدهشة تفتحها واحدة تلو الأخرى ..

على المقعد الأول .. ذاك الملتصق بطاولة المعلمة .. كان يجلس مأخوذاً بأصابع “أميمة” الصغيرة .. كيف يمكنها أن تفك عقدة الهدية بحركة واحدة لتعيدها بالسهولة نفسها .. وكأنها اعتادت فتح الهدايا .. هل يقدم لها حبيبها هدايا يومية مثلاً؟ .. أو هل لديها حبيب أصلاً؟ .. لم يبحر كثيراً في تلك الفكرة عندما قطعه إليها شريكه في المقعد نفسه سائلاً إياه .. وأنت ماذا أحضرت للآنسة؟ .. في الواقع لم يكن قد استطاع إحضار شيء أبداً .. فأمه تجد أن رواتب المعلمين كافية لأن يشتروا أشياءهم الخاصة .. وأن هذي المناسبة السنوية ماهي إلا حجة جديدة لكي ينهب فيها المعلم طلابه .. لم يجادل أمه يوماً .. حتى في هذا الموضوع بقي صامتاً أمام الفطور الصباحي البارد وطلبه الخجول مئتي ليرة ليتشري زجاجة عطر لها ..

أمام نظرات طلاب الصف المنتظرة والشامتة في آن معاً .. لم يتمكن إلا من الابتسام خجلاً .. نظر إلى أميمة كمن يعتذر عن ذنوب الدنيا كلها .. في اللحظة التي وقفت وقالت: ” سالم سيهديني هدية لم يحضرها أي منكم .. سيقبلني قبلتين .. وسيساعدني في حمل الهدايا إلى منزلي .. من يريد أن يساعده في ذلك؟”..

أمام الأيادي المرفوعة تطوعاً .. قبّلت أميمة خد سالم الأسمر قبلتين صغيرتين .. هو فعل ذلك أيضاً .. لم يحسن أن يجعلها قبلة ناجحة .. فخجله الطفولي منها شل شفاهه عن أي حركة صغيرة .. لكنه لهذه اللحظة مازال يذكر أن خدها الأيمن كان ناعماً جداً .. أكثر من خد أمه و أخواته بكثير .. حتى اللحظة .. مع قبلات صغيرة على خد حبيبته الجديدة .. يذكر أنها ليست بنعومة تلك .. ربما شفاهه كانت أنعم أيضاً ..

يتناول لقيمات من مربى الفريز والزبدة ويخرج حاملاً دفاتر طلابه الصغيرة .. يدخل الصف قائلاً : Good morning boys ,,, how are u؟

Advertisements

وعاد مساء آخر

تشغل الراديو في التاسعة تماماً .. تحتاج سماع برجها لهذا اليوم .. جميع الأبراج أيضاً .. في الحقيقة يقتصر نهارها على مراقبة أفعال الجميع ومدى تطابقها مع ما أوردته سيدة الأبراج في الصباح .. تكره صوتها المصطنع الذكوري في الوقت ذاته لكن لا بد ان تعلم ماذا يخبئ النهار لها بين أمزجة الكواكب مختلفة الأسماء ..

تدخل أمها مع فنجان القهوة .. تخفض صوت المذياع .. تقابل بتكشيرة خفيفة مع ابتسامة عتب .. تعود لرفع صوته .. “أمي .. حان دورك .. ألست الميزان؟ .. اسمعي اسمعي ماذا سيقولون..”

تخرج أمها من غرفتها قبل أن تنهي تلك المنجمة الصباحية جملة “عزيزي برج الميزان” .. images

أكثر ما يعجبها في عادتها اليومية هذه .. أنها مقاومة لكل العوائق الاعتيادية المنتشرة حالياً .. فلا انقطاع التيار الكهرباء أو شبكة الانترنت ولا حتى أصوات الحرب المشتعلة في المناطق القريبة من منزلها يمكن أن يوقف صوت مدام “ن” عن مهمتها اليومية في توزيع فتات الأحلام على الشعب الممتلئ هماً .. تقدر نور إخلاص مدامها الحقيقي ذاك .. يأتي دورها .. هذا برجها .. بعد انتهاء أغنية تسعينية لفيروز تقول مدام “ن” ..

قبل أن تقول أي كلمة كاذبة او صادقة ربما .. تغلق نور المذياع وتقول : “عزيزتي مولودة برج القوس ..نور .. اليوم سيكون مميزاً حقاً .. سيتصل هو هذا المساء .. نعم نعم سيتصل .. كوكب الزهرة كوكب الحب والعاطفة يقترب من مدار برجك .. نعم وأخيراً بعد انقطاع أشهر ستسمعين صوته .. لذا استمعتي بيومك هذا فنهايته كما هو دافئة .. ”

تعود نور لرفع صوت الراديو .. أغنية فيروز التسعينية ذاتها .. تقفز إلى خزانتها .. تختار رداءها البني .. يفضله عليها .. تضع تبرجها الكامل الخفيف .. نعم يمكنها أن تجمع الاثنين معاً .. تجلس على سريرها بعد أن ترتبه .. تمسك هاتفها الوردي .. تبتسم مغلقة عينيها .. نعم أخبروني أنه سيحدثني هذا المساء .. هيا حدثني قبل أن يأتي المساء ”

وعاد مساء آخر..

من ليال قبل الهروب

لسخرية القدر، عندما قررت البارحة الكتابة عن ليلة في مخيم اليرموك، لم يحدث ما يستحق الكتابة، كانت ليلة باهتة بامتياز، لا شيء مميز فيها سوى أنني استمعت لأغنية لم أكن قد سمعتها منذ زمن، لأستيقظ اليوم على ضربات موسيقا أخرى، هزت أبواب المنزل ونوافذه، أخبرتني ألا أقلق حيال ما سأرتديه اليوم، لأنني سأمضيه في بيجامة النوم، في السرير، لأن الشارع مجنون، ومن يمشي فيه كذلك.

أحاول أن أعتاد الأصوات، أو أن أميزها لأفرق بين صوت الرصاص ومدفع الدوشكا، وقذيقة الهاون، وتلك التي لا أعلم ماهي بالضبط، سوى أن صوت انطلاقها كأصوات المفرقعات النارية التي كنا نشعلها في رمضان، ليس الماضي بالطبع، لم نحتج فيه لضجيج إضافي والحمد لله. لا أستطيع، أميز هدير الطيارة فقط، تحوم وتحوم دون ضربات منها، لا شيء يدعو للخوف، أعود لأحلامي، أغلقت هاتفي المحمول كي لا أجهد بالرد على مكالمات متتالية، تريد الاطمئنان علينا هنا.

في الثانية عشر تماماً أستيقظ على حديث عمتي وأمي، الحديث ذاته، والفزع ذاته أيضاَ، هذه المرة مع سؤال بلاغي جديد: كيف استطاعت أن تنام والقيامة حولها قايمة؟ .. صحوت لأكتشف انقطاع التيار الكهربائي، أي لا انترنت لأفهم ما يحدث حولي، ولا أستطيع طمأنة من يهتم أنني بخيرأحاول العودة للنوم، لكن انتباهي لما يحصل في الخارج، يجعل تلك المهمة صعبة قليلاً.

بضع مكالمات هاتفية مملة أفهم من خلالها أن المخيم مغلق، من جهة شارع فلسطين بالذات، كذلك نداء من جامع الوسيم يطلب من جميع من يملك مطفأة حريق الإسراع إلى شارع الجاعونة، يعني القيامة قايمة عنجد. ولا أعلم لماذا يتجمع سكان البناء مع كل صوت جديد في غرفتي، فوق سريري حتى أتأكد أنني لن استطيع تمضية اليوم نائمة ببساطة، عليّ ترقب الموت، ذاك الذي لا أهتم بمجيئه البتة، ليست شجاعة بطولية، ولا حتى تهوراً أخرقاً، فقط لا أسباب للتعلق بالحياة هنا، يأس محبب يجعل أسوأ كوابيسك، خياراً مقبولاً في أية لحظة.

أخرجت رأسي من النافذة لأرصد الوضع العام في الشارع ومنه إلى شارع اليرموك وفلسطين كون منزلي يقع في منتصفهما. لا أحد، ولا حتى القطط القذرة التي كانت تنبش أكياس القمامة البارحة، لا أكياس اصلاً، والشارع نظيف جداً كمان لم أعهده، فارغ من كل شيء، أعجبني مطر النهار السابق، استطاع تنظيف الهواء والاسفلت المجعد، لم أستمتع بتأمله لحظات حتى صرخ بي أحد الشباب عند رأس الشارع: هيا إلى الداخل، أخبرني أن هناك قناص على إحدى البنايات المجاورة، يمكن ألا يعجبه منظري دون غطاء رأس، ليطير رأسي كله. لم أذعن لطلبه وبقيت أتلصص على المعركة المشتعلة في الخارج، يصرخ أحد شباب اللجان الشعبية أن أحضروا سيارة إلى هنا، أصيب أحدهم الآن. في هذه اللحظة بالذات أريد أن أكون معهم، صحفية حربية لا أكثر، أصور كل ما يحدث في الجبهتين، وأعطي كلاً منهم نسخة مما صورت، وليعرضا زاويتهما من الحدث كما يشاءان، هل يمكنني حقاً أن أفعل ذلك دون أن أموت، هل سأكون أكثر حظاً من باسل شحادة في حمص؟ .. ولماذا سيسمحون لي؟ .. أو لماذا يرفضون؟ .. المشكلة الأساسية أن لا كاميرا في حوزتي الآن، هذه مشكلتي فقط.

جاء التيار الكهربائي، وتصفحت ملفي في الموقع الأزرق، لا جديد، أطلقت بضع شكاوى لمن لا يسمع، أو لا يهتم فعلاً، وانتظرت انقطاع التيار مرة أخرى، حتى أعود لانتظار مجيئه، وهكذا.

لم أفرق إن كان الصوت القادم من بعيد هو هدير الدبابة التي رأيتها قبل ساعتين، أو ضجيج مولد لا أكثر، حاسة سمعي هي الأهم حالياً، أؤلف قصصاً ومشاهد مسرحية لكل ما يتناهى إلى أذني، عواء الريح مع المروحية في الخارج، ذكرني بمسلسل أطفال قديم، عند نهاية المعركة، وصمت المشهد الأخير، حيث تغص ساحة الحرب بجثث مقطعة، وحفنة غربان، وصوت الريح مرة أخرى، ما عدت اذكر اسم المسلسل، لكن أذكر اسم الأبطال الثلاثة جيداً.

حركة نزوح خفيفة من مخيم فلسطين إلى اليرموك، يحملون حقائب مليئة، لم أحضّر خاصتي بعد، لإيماني الغبي أنني لن أكون مثلهم، أشك في وجود القناص كما قالوا، ربما قناص مسالم، يعي أن لا دخل لهؤلاء المشردين، أو لئيم حقاً، لماذا لا يريحهم من بؤس قادم. أنا لو كنت محله كنت .. المهم ما زلت في بيتي ، لن أفكر في دعوتهم للمكوث عندنا. إن صرت مثلهم، لن أطلب ذلك أيضاً.

سبع شهداء لا أعرف أياً منهم، لكن بينهم طفلة، لم تتجاوز السابعة، ويورد الموقع الالكتروني الذي وضع الصورة، أنه لا يعتذر لرداءة الصورة، لأنه لا يحترم طفولة موتها، لماذا هذا التصريح الفاجر، لم أدر. صورة أخرى في الموقع ذاته لطابور طويل، في منطقة ساخنة آخر مخيم فلسطين، ليس انتظاراً للخبز، بل يريدون أن يأتي دورهم لرؤية مكان سقوط القذائف، حيث يمكن أن تسقط أخرى ببساطة. لن ينتهي اليوم قبل عشرة شهداء آخرين، مازلنا بهذا التهور الأحمق.

هدوء لطيف في الخارج، مجموعة أطفال يسيرون في الشارع، جزء من التهور ذاته، إلا أنا ما زالت حماقتي عاقلة، أغبى الحماقات تلك التي لا تستطيع التوقف عن التفكير أبداً، ولا حتى في الاستراحة القصيرة بين شوط حربين.

كتبت في 13/11/2012

دفء اختناق ..

294982_314585718610610_1506028654_nيتأمل جدران الغرفة الكبيرة، لم يكن لونها قبل شهر ونصف هكذا .. كذلك أصابعه الثخينة لك تكن بذلك السواد المحترق..
دخان الخشب المتكسر في برميل القصدير المشتعل في زاوية الغرفة .. يجعل الهواء أثقل وأصعب على الاستنشاق ..

يدخل “محمد” من الباب الصغير .. صوت الباب يعلو على طقطة القصدير المهترئ:
محمد : كيف تستطيع التنفس هنا؟ .. ستختنق..
هو : الجو في الخارج بارد.
محمد : مهما يكن .. لا يمكنك أن تبقى هنا..
هو : طيب سألحقك . اتركني الآن ..

يخرج محمد صافقاً الباب الأخضر بالحائط .. يتناول ابريق الشاي من على المدفأة .. يصب كأساً في الكوب القديم .. يتناهى لسمعه بضع طلقات اعتادها طوال النهار والليل .. لابد أن يخرج .. سيختنق هنا إن لم يفعل ذلك .. كآلاف الذبابات يطير رذاذ اسود عالق في الهواء .. وجه المدفأة يكاد ينفجر احمراراً .. لن يترك محمد وحده في الخارج هناك .. يحاول النهوض لكن لا يستطيع .. آخر ذرات الأوكسجين تموت في خلايا رأسه .. يحاول أن يصرخ دون فائدة .. سيأتي محمد بعد دقائق .. سيأخذ غفوة صغيرة في غضون ذلك .. لن يستطيع تحمل البرد هناك .. أو ربما تصمت قطعة الحطب التي رماها قبل ساعة .. تتأمله يغلق عينيه تعباً .. ربما تهرب من الفرن الحديدي لأحلامه الدافئة ..

لطالما أراد النوم دافئاً .. كذلك الموت إن كان لا بد أن يموت .. أكثر ما ضايقه في فيلمه المفضل ذو السفينة الغارقة . أن “جاك” مات تجمداً ..

كان لا بد أن يموت .. يبرد جسده الصغير .. كذلك البرميل البني المتعب ..

لم يعد بيتاً .. صار منزلاً..

وغدا بيتي .. بنوافذه المكسورة وبراده المتعفن .. غدا بيتي بعد هجر شهر ونصف .. آخر مكان أشعر فيه بالأمان .. أغترب عن كل ما حولي هناك .. ليس السرير نفسه ولا ثيابي ذاتها .. كل مافي البيت يرفض الاعتراف بي .. ملامح كل شيء باتت مختلفة .. خلال تلك الفترة كان يحيا على ألفة الماضي .. وبعد قطيعة طويلة انتهى مخزون العشرة البيتي .. وددت لو استطعت تقبيله .. لكنه أدار وجهه لي .. إذاً لا حاجة بي لجواز سفر اسطوري لأعيش تجربة الغربة .. لم تعد تجربة أصلاً ..

أحاول لمّ ما استطعت من أشيائي المبعثرة .. ليست كذلك حقاً .. لكن مع وحشة المكان يصعب أن تبدو مرتبة .. لم أنتبه إلا لزجاجة العطر الفرنسية التي أهدتني إياها صديقتي قبل ثلاث سنوات .. عندما ظنت أنها ستعود كل صيف هنا .. عادت مرة واحدة حتى الآن فقط.. أما باقي ما رميته في الحقيبة .. لم أع تماماً ماذا كان.

رائحة حموضة باردة تئن في الزوايا .. مصدرها البراد المقفل دون كهرباء منذ شهر ونصف .. لم تكن مزعجة بقدر غرابتها .. لكن منظر القمامة الميتة داخل البراد كان كذلك.

على كنبتي المفضلة .. تلك التي لطالما خلقت شجارات بيني وأخي غرض استملاكها .. أجلس دقيقتين فقط ..أغمص عيني محاولة استذكار آخر مرة جلست لمشاهدة التلفاز عليها .. ماذا شاهدت وقتها بالتحديد .. كنت أشرب الشاي طبعاً ……. صوت الرصاص القريب جداً يرميني أرضاً .. ألصق وجهي بسجادة الصالة الحمراء .. مازالت كما نظفتها آخر مرة ..

عندما دخلت البيت لم أستطع إلا خلع حذائي أمام الباب .. كان البلاط بارداً جداً .. كما جثث القطط المسكينة في الحارات ..

خطر في بالي إحضار هاتفي أو سجادتي .. وسادتي وبضع أغطية.. لكن النافذة التي سأعود للخروج منها بعد دقائق لا تسمح بهذا.. أن أحضر الجدران ربما .. خطر في بالي حقاً إحضار بضع أوانٍ مطبخية وأكواب ماء .. أو أن أترك كل شيء و أبقى هناك .. يا ليتني لم أكن بهذا الجبن لأخرج من هناك ….

دقائقي الأصعب كانت أمام باب البيت الخشبي .. لم يرضَ أن أغلقه لأذهب .. أمام الصمت المرعب المنتشر في كل الشارع، محاولة إغلاق الباب في ضربة قوية واحدة .. تغدو مشروع انتحار .. فالقناصة المنتشرون على كل الأسطح المجاورة للبيت لن تغفو آذانهم عن سماع حركة في المبنى .. لعشر دقائق أحاول إقناع الباب أن يغلق صامتاً .. بكل الكلمات والوسائل أخبرته أني سأعود .. أني تركت كل مافي الداخل بأمانته .. أني لن اخذله هذه المرة كما فعلت منذ ستة اسابيع .. أني وإن لم أعد بشكل دائم .. لن أطيل الغياب.. ببؤس خشبي أغلق عينيه عن كل ما استودعته من حياة في الداخل ..

عندما كنت في السادسة أو أكثر بقليل كنت أواجه المشكلة ذاتها في كل مرة أصعد “بيت الدرج” على سطح بنائنا .. الصعود عملية سهلة .. لكن كيف يمكنني النزول .. لم أستطع وحدي يوماً ..كذلك هذا النهار .. فبعد أن تسلقت جداراً للوصول إلى نافذة المطبخ في بيتنا وسط دهشة جيراني أن فتاة عشرينية يمكنها أن تفعل هذا .. عادت مشكلتي في النزول والوصول إلى الأرض .. وهذه المرة مع حقيبة أغراضي .. لم يكن من سلم في الجوار .. كان علي أن أقفز .. ولكن لم أستطع .. في النهاية ساعدني ابن جيراننا في النزول على كتفه ومنه إلى الأرض .. كذلك على سطح بيتنا كنت على كتف أختي في كل مرة أهبط ..

ساعدني أحد الشباب في حمل الحقيبة الممتلئة بأشلاء ذاكرة كانت يوماً معطَّرة .. أوصلني لأقرب نقطة حيث تمكنت من الخروج ..

لا أعلم لماذا يصعب علي تخيل كل مررت به دفعة واحدة .. وأني حقاً كنت هناك وعدت في اليوم ذاته .. لا أعلم لماذا يضج رأسي بصوت غرفتي الباكية وحدتها هناك .. لم تألف صوت الرصاص بعد .. كما أنا حتى الآن ..

في بيتي لم أترك إلا بضع أشياء تخصني .. فخزانتي باتت فارغة .. وقلبي أيضاً .. كل ما عشته فيه .. تركته على رف المكتبة الصغيرة .. في زجاجات الماء الفارغة .. وفي جيوب قمصان أبي المعلقة حتى هذه اللحظة في الشرفة المنكوبة ..

بيتي .. اعذرني .. لكن كان لا بد أن أخرج من هناك ..

اليوم 23-1-2013