من مذكرات رجل ما زال.

يمكنني أن أروي القصة بتفاصيلها، أن أجعله بطل حبكة لا تنسى، أن أضعكم هناك في شارع المعركة .. لكنكم في النهاية لا تبالون.

أن أذكر لكم أنه يكره الطعام هناك، لكن الجوع يجعله ألذ، وأنه اشتاق لأشياء كثيرة هنا، أولها عطر مسحوق الغسيل على الثياب المنشورة على سطح المنزل.

بات يكره اللون البني والأخضر والأسود .. لكنه في عيني أمه مازال جميلاً.

صوت الرصاص.. لا أعلم لماذا يتجنب الحديث عنه أبداً، وهدير الدبابات على الطرق الاسفلتية في مدينة والده الوديعة.

يمكنني أن أطيل الحديث عن سبب بكائه في مستوصف المعسكر منذ أيام، بكى من إبرة أعطاه إياها ممرض لئيم.

أكثر ما يثير فضوله هذه الايام ملامح وجهه الأسمر، لم يكن بذلك السمرة من قبل، لكنه نصف عام إضافي على الخدمة الإجبارية.

عندما تنظر إلى عينيه شبه المفتوحتين تدرك أن حديثه مع ذاته قد وصل إلى نقطة اللاعودة ، قد افترقا منذ زمن، تحديداً منذ العقوبة الأخيرة التي تلقاها هناك، أكان يستحقها أم لا، كان النقاش الفيصل بينهما .

لكنه مازال يعشق ذاته التي لم تعشق امرأة بعد .. يحاول رسم أطياف أنثى لم يلتقيها  يوماً .. أو ربما خلاصة عدة إناث أعجب بهن.. ليري للجميع، عندما تفتح أحاديث العشق بين شباب الدبابة الواحدة، ليؤكد لهم أنه ذكر، أن رجولته مؤجلة لنهاية المعركة في الشارع القادم.

يتمنى أحياناً لو يشتاق لعطر صبية بعينها، للون حمرة شفاه لم يذقه بعد، لكن الحنين الحالي لإخوته وأمه وصورة والده المعلقة فوق الأريكة الكبيرة في غرفة الجلوس . يشعر أنها كمية شوق تكفي لبشري واحد، لا يحتاج المزيد.

لم يكن قرار تمديد خدمته العسكرية مفاجئاً له أبداً، لم يعتبرها خيبة إذاً، ذلك أنه لم ينتظرها أصلاً. تولد خيباتنا من رحم أمل مسروق، لهذا بعد الأشهر الثمانية في الخيمة الضيقة، ترك كل ما حوله يتفنن في نهب الأمل، تفتتيه كيلا ينجب الخيبة. لكنها بين عينيه غفت،  لذلك بكى من إبرة في العضل، لأنه ألم ضعيف .. كما باتت قدماه الصغيرتان، تبدوان أكبر مما عليه في الحذاء العسكري، لكنه لتعذيب ذاته دوماً ما استطاع أن ينسى شكلهما في حذاء الرياضة الأبيض الجديد.. أعاده للمنزل في الزيارة الأخيرة. هناك لا ينفع اللون البيض في شيء، حتى في الاستسلام.

هنا على طاولة العمليات الخضراء، ذلك التدرج الناعس من هذا اللون البغيض ، ربما يحلم بأشياء كثيرة، أو ربما دماغه المفتوح يثنيه حتى عن الحلم. قلبه ما زال ينبض، فكه السفلي مفتت بفعل الرصاصة، خرجت من الطرف العلوي للرأس.

أراد الهروب بعيداً .. إلى هناك.. حيث لا يدرك أين تماماً..

أراد بعض الهدوء .. بعض السلام.

لكنه لأمله العظيم في موت أرحم .. تنامت خيبة كبرى.

على سريره البني في المشفى اللئيم،  كتب على إضبارته البيضاء: محاولة انتحار فاشلة.

أعود لأذكركم إن تحركت مشاعركم ربما، أنكم في الحقيقة لا تهتمون.

( قصة حقيقية)..

Advertisements