في خيال..

ضجة الهدوء تفتت أنفاسها.. تذرو رماد كل خلية محترقة فيها..

صمت النوافذ ضربات فأس في تلافيفها..

صرخات الجميع المصطنعة تذكرها بأنه واقع.. لا تدري سبب إرهاق حناجرهم بعويل كهذا إن دفنت الفاجعة..

اليوم ترتدي الأسود تجملاً  لا حداداً..

كان يفضلها به.. ولهذا تستكين به اليوم.. ليست العادة..

كحل عينيها على الخدود يحكي حجم الصدمة ..

دقات الساعة القديمة فوق رأسها تغلي في برود..

تبكي.. ليس حرقة.. أو حزناً.. هو شوق فقط..

أسبوع ثالث مات في انتظاره .. ليعود صباح اليوم ميتاً هو.. كما الأيام..

كل المشاهد التراجيدية التي مرت أمامها اليوم لم تمض حقاً في ذاكرتها.. لكن لحظة الدفن كانت هناك.. كانت حقاً.. ومازالت في ذاكرتها..

أكوام التراب تخنق خشب التابوت..

لِمَ يحتاجون كل ذلك التراب ليدفنوه؟.. لن يموت أكثر.. لن تفوح رائحته حاولت إقناعهم…

هو شهيد..

لم يُكفّن.. لم يُغسل.. فقط تكبيرات خافتة على عجل أمام الصندوق المنتشي قداسةً، هي المرة الأولى التي تصلي فيها.. ليس للرب.. بل لإحدى مخلوقاته.. أعزهم عليها..

هو شهيد..

…………………………………..

سكت الهدوء.. صمتوا جميعاً.. صرخاتهم تداعت  أيضاً..

عطره الأقدم يخطو هنا.. خلف الباب تسمع أنفاسه المتقطعة..

يطرق الباب؟؟

أين نسي مفتاحه؟؟ معطفه الآخر قد أرسلتُه للتنظيف  تواً لا شيء فيه..

بنطاله الرمادي فارغ أيضاً .. بضعة مناديل معطرة بشذاها كانت جيوبه تحوي.. لا أكثر..

لا يهم.. المهم أنه لم يتأخر اليوم..

ذقنه قد شذبها صباحاً.. كيف نمت بهذه السرعة؟؟

يبدو متعباً…

تخلع عنه المعطف البالي بهدوء، تبتسم فقط..

ملامح الدهشة تصرخ على وجهه ….

تعود للابتسام..

تتوجه للمطبخ لتعد له العشاء، لا تعلم ماذا طبخت اليوم، ربما لم تحضر شيئاً، لا تذكر لماذا..

يمسك يدها ليعيدها قرب الباب..

بصوت فحيحي يقبل أذنها قائلاَ: صرت هناك، لا تنسيني..

تتجمد في مكانها، أذنها قرب فمه في موضعها أيضاً..

دمعتها وحيدة على الخد الأيسر تترنح بغرابة..

محجر عينيها مشلول تماماً..

يقبلها مرة واحدة..

للمرة الأخيرة..

يعود لينطقها بالطريقة نفسها: اشتقتك..

 لا تعلم من أين مضى..

…………………………………………………………

تحت الساعة القديمة التي ما ملّ خطافها التراقص بغباء، تسمع صوت الأذان، عويل من لم يفقدوا بعد ما فقدته هذا الصباح.. ابنتها الوحيدة تغفو في جيدها بسلام..

تتلفت لكل ما حولها.. تكلم النافذة كأنها.. تقول:

أبكِ السماء على جذعك الزجاجي ما استطعت..

أنا لن أبكي أكثر..

هو شهيد..

Advertisements

14-8-2012

أولئك من نحبهم حقاً.. من نبتسم لمجرد تذكر أيام كنا فيها معاً..
يعلمون الكثير مما لايعرفه غيرهم.. لا ندري لمَ أخبرناهم.. لا نسأل ذاتنا هذا أصلاً..
هي صديقتي..
أكثر من بضع أشياء مشتركة بيننا.. رؤية واحدة لمستقبل يكبر أطفالنا به سوياً..
يضاف يوم آخر لرزنامتي السنوية..
عيد ميلادك صديقتي..
كل عام وأنت بخير..

13-8-2012

في الشهادة نتعرف على آخرين.. كان منهم ومازال..
من الغريب كيف يضحي موقع الكتروني مجلس عزاء هادئ لشهيد يختلف قليلون فيه..
لا يتلى القرآن هنا.. ليس في حاسبي على الأقل..
لكن في حضرة الموت.. عار الكلام  يخرس الجميع..
لروح الصحفي براء البوشي..

لمن الوطن..

الإبريق يغلي، يصفُر، وأزيز معدنه يئن على نار الفرن الصدئ، يختنق ببخاره، ما يلبث أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، رائحة الشاي المكرمل تعبق في الغرفة، صوت ارتواء المعدن يطفي ضجيج الغرفة. يناديه صديقه:

– “مازن.. ألم تسمع صوت الإبريق، عليك أن تنظف الفرن حالاً، قبل أن يبرد ويصعب تنظيفه.”

– “حسناً..”

يخطو من سريره الحديدي نحو باب الغرفة، كل شيء قريب هنا، المغسلة، الخزانة، المكتبة، أشياؤه الكثيرة تجعل الغرفة أضيق مما هي عليه في الواقع. هو سمع صوت الإبريق، لكن رائحة السكر المحروق، كانت ومازالت تثيره.. غادة تحبها أيضاَ، هي من أوحى إليه بجمال تلك الرائحة. كانت تقول:” إن أردت أن تصبح مدمن شاي حقيقي، عليك أن تعشق ذلك الحبر الأسود، لا أحبه أحمر، يجب ان يغلي ليغدو قاتما كالليل، حتى يموت على النار، ويميتها.”

كانت تعشق الشاي الأسود، كانت تعشقه أيضاً، ولأربع سنوات طويلة ماملْت ترددها هامسة في أذنه، ” أنا أحبك”.

على عكس علاقات الحب الاعتيادية، كانت دائماً من يبادر، هي من قالت له أنها تحبه أولاً، صحيح أن اعتراف الإعجاب جاء من مازن في البداية، وطلب رقم الهاتف الأرضي كان منه وقتها، إلا أنها منذ أخبرها أنه يريد أن يتعرف عليها، وهي المبادرة دوماً، ” أنا المسؤولة عن حبنا، أنا أحبك، وأحب خجلك الطفولي، أي اعتداء على حبنا، اعتداء علي شخصياً”. بعد كل جرعة عشقية كان يبخل بها مازن، تلك إجابة غادة الدائمة، وفي كل مرة كان يجيبها: ” كما تشائين..”

وبعد أربع سنوات، بات رأس السنة الماضية مناسبة من البديهي أن يمضياها معاً في إحدى مطاعم المدينة القديمة، مع ضجة الأصدقاء مودعين عاماً كاملاً بأرقام تنازلية، لم يخططا لذلك العام كما حصل فعلاً. قد خططا لكن أياً من تلك التوقعات لم يصبح حقيقة.

في ذلك المطعم المنزلي كانت تجلس في حضن مازن، لا تجرؤ على فعلها عادة، لكنها في

تلك الليلة يحق لها في ما لايحق لها في باقي الأيام. مع عشرات المتسمّرين أمام شاشة التلفاز كانت تنتظر دورها، مع عشرات المقتاتين على فتات أحلام، كانت تنتظر وجبة الأمل السنوية من فم فلكية جاهلة، تدرك غباءها لكنها تحب سماع كلمات أحلام، رسم تلك التوقعات في مخيلتها. ” جاء برجي. تلك أنا. هدوء ..هدوء.” وهما يضحكان انتهت تلك الفلكية من زج توقعاتها في ذهن غادة، لم تعبأ بما قالته، لم تسمعه كله، لكن صوت ضحكتها أغرق المطعم عندما قالت:” على الصعيد العاطفي، فشل كبير يعانيه مواليد هذا البرج، في الشهر التاسع تحديداً.” نظرت إلى عيني مازن وهي تقول:” إذا لن أكون من مواليد القوس هذا العام.”

 

عام طويل، مع إنجازات وخيبات لانهائية، تطاولت أيامه عن حدودها الأربع عشرينية، أسابيع حبلى بالأمنيات اجهضت قسراً، وأخرى حسبتها غادة ستكون عقيمة، أنجبت الكثير.

مع نشرات الأخبار التي قاطعها مازن في الشهور الأخيرة، ليس تهكماً أو إهمالاً، بل بتوجيهات طبيب نفسي، كانت غادة تغرق في تفصيلات المراسلين أكثر، أصبحت وكالة أنباء متنقلة، حتى هي  تفاجأت في هوسها الغريب ذاك بالشؤون السياسية. كطالبة طب، لم تجد وقتاً لمشاهدة التلفاز، وإن قررت يوماً أن تسمح لإهمالها أن يسيّرها، ما كانت تختار محطات الأخبار طبعاً.

بعد كل نشرة كانا يتابعانها سوية في إحدى مقاصف الجامعة أو المدينة الجامعية، كانت غادة تبدي تحفظاَ على كل ما يقال، فالنشرات الإخبارية لم تعد مادة إعلامية تقدم للمشاهدين، لتنسى بعد دقائق، بل َأضحت وجبة اجتماعية لا يشبع منها إلا القليل، لم تكن إحداهم أبداَ. في البداية كانت تصمت منصتة لما يقال، صمتها أثار ريبة الجميع، لابد انها تسجل لكل منهم ما قاله ليرفع لجهات عليا، هكذا سوّغ أصدقاؤها تحفّظها في إبداء رأيٍ حول ما يدور. ظنون تأكدت للجميع مع بداية تدخلها في النقاشات السياسية التي ماعاد من اللائق طرح غيرها في أي مكان، حتى أحاديث النساء، غطّت الأخبار على طبخة اليوم، وفستان الجارة، كان لابد لها أن ترسم موقفاَ، أن تتكلم.

–          غادة: ” ألم تسمع ماقاله التلفزيون اليوم؟”

–         مازن: ” لا..طبعاَ، أخباري تأتيني من مصادرها الأصلية.”

–         غادة: ” لقد قتلوا طفلاَ ورجلين البارحة، والتلفزيون يقول إن الأمن سيعثر على من فعلها، أتعلم؟ ربما…”

–         يقاطعها:” أعلم..لكن يبدو أنك لا تعلمين؟”

–         غادة: ” لا اسمع..صرح الوزير..”

–         مازن: ” غادة أرجوك..غيري الموضوع، أو على الأقل لا تسمعيني ما قاله الوزير.”

هكذا كانت تموت نقاشاتهما السياسية في بداية الأحداث، عندما كان أحدهما يتكلم  يصمت الآخر محاولاَ إنهاء الحديث بأقل تصادم موقفيّ ممكن، لكن مع تعقد الأمور، واختناق الأزمة، امتدت المجادلات على أحاديثهما الليلية، على مخططاتهم المستقبلية لاختيار أسماء أبنائهم، ولون الجدران، وبات التصادم نهاية طبيعية لكل حديث بينهما، وإن لم يكن سياسياَ.

 في البداية، اتفقا على ألا يتفقا في هذا الموضوع بالذات. في الماضي كان يوافقها في كل شيء. من أجلها غيّر أسلوب حياته، ولباسه، طريقة دراسته، غيّر كل شيء كما تحب، مقتنعاً أنها تعلم أكثر منه، تدرك الأفضل له. لكنها في ذلك الموضوع كان يرى أنها لا تعلم شيئا أبداَ.

لقاؤهما اليومي الذي كان يمتد لساعات، صار أسبوعياَ بحكم سفره كل خميس إلى البلدة. في السنوات السابقة كان يؤجل تلك الزيارات ليختصرها بواحدة في نهاية الفصل الدراسي، لكن باستشهاد أخيه مع بداية الربيع، انتظمت زياراته، لم يعد بإمكانه أن يترك والديه وحيدين هناك. كانت غادة تقضي تلك العطل الأسبوعية لوحدها في المشفى، تتطوع بنوبات عمل إضافية حتى تجنّب نفسها العودة لبيتها، تذكّرأنه هناك، في تلك المدينة الحزينة، مع كل زيارة هناك، يعود مازن أسوء، أكثر حزناَ، أشد حقداَ.

علّمته كيف يلبس، كان يوافق على اقتراحتها بسلام، هذه المرة فشلت في إقناعه أن يخلع الأسود، بعد خمسة أشهر على استشهاد أخيه، مازال يرفض أن يبتسم، أن يتكلم في أي شيء إلا في الموضوع الجدلي ذاته. إثر وفاة أخيه، حرصت غادة ألا تستفزه أبداً، ألا تتكلم في السياسة نهائياً، لكن مع تعنّده الفظيع، بات التصادم حتمياَ، كان لابد أن ترد.

–         ” يا مازن..يا حبيبي..أرجوك..لا تتكلم في السياسة أمام أي شخص..لا تثق بأحد اليوم.”

–         ” حتى حق الكلام علي أن أتنازل عنه؟؟ لن أصمت.”

–         ” لكن كلامك خطير..يجب أن..”

–         ” لا آبه حقاَ..أسوء ما قد يحصل أن ألحق بأخي..”

–         ” مازن..وأمك؟؟ ألا تشفق عليها؟؟”

–         ” أمي ستفخر بي.. بنا.”

لم تنته جدالاتهما السياسية عند ذلك الحد، كلمة ” أحبك” التي كانت تختتم كل محادثة هاتفية بينهما اختفت، حتى تلك المكالمات قلَّت. ومع تطوع غادة في الاتحاد الطلابي في الجامعة، باتت علاقة مازن وغادة دون جدوى، فمدى تأييد غادة للنظام كان مفاجئاً للجميع، هو يعلم أنها مع الاستقرار الذي كان، مع الحاضر المعروف وإن لم يكن بتلك الروعة، على أن تسلّم زمام الدولة لمغترب لم يكن هنا منذ ربع قرن. لكن انتسابها للاتحاد كان الشعرة الحاسمة، لايمكن أن يراها مع أولئك الذين اقتادوا رفاقه من مدرج الكلية قبل أيام، لا يستطيع أن يدعها تصبح منهم. فشلت كل محاولاته في إقناعها الانسحاب من الاتحاد أيضاً.

– ” لا يمكن أن تكوني منهم..أنت لست مثلهم..”

– “لماذا؟”

– ” لماذا تريدين إغاظتي..ألم تري ما حصل لأخي، وأصدقائي..أنت لماذا..لماذا؟؟”

– “لا دخل لهم..أنا هنا لأحمي أمن الجامعة..ألا يهمك أيضا؟”

– ” طبعاً..لكن ليس معهم..أرجوك.”

– “أنا لست معهم.. أنا مع الوطن.”

– “ أي وطن..لمن الوطن؟؟

– ” لنا..”

ضاقت مقاصف الجامعة بهما، بحديثهما الواحد، ولم يخفف استدعاء مازن الرابع لمركز الأمن نشاطه السياسي داخل الكلية وخارجها، صار يتكلم بصوت يسمعه الجميع، أصبح معروفاَ ومكروهاَ من طلاب الاتحاد المنتشرين بين الجميع، هم ذاتهم باتوا رفاق غادة الدائمين.

– ” مازن..إن بقيت على هذه الحالة سيستدعونك للمرة الخامسة، لقد حفظوك هناك، هذا ليس من مصلحتك.”

– ” وأن أبقى صامتاَ ليس في مصلحتي أيضاَ.”

– ” لكن ليس لهم علاقة، لادخل لهم.”

– “لا أصدق أنك مازلت مقتنعة بذاك الكذب الغبي.”

– ” لكن التلفزيون قال..”

– ” اخرسي.. وأخرسي ذلك الذي قال..”

– ” لن استطيع .. معك هكذا..لن أستطيع..”

– ” كما تشائين..”

كان يراه ربيعاً، وكانت تراه أزمة.. مات ربيع حبهما، ومازالت الأزمة.. ليس كلاماَ تنجيمياً فارغاً، هو فشل عاطفي في نهاية أيلول، انتهى خريف ذلك العام ولم ينته العام بعد..