هنا كانت الندبات..

كي لا أجن، كي لاينساني رصيف الشارع بعد غياب أطول، وخوفاً من ازدراء المدينة العتيقة جبني المولود حديثاً قبل أسابيع، رغم الليلة المرمية في رفات الهدوء، أخذت قراري أخيراً بترك المنزل، ليس نزوحاً طبعاً، لا مكان لنهرب إليه، لكني سأعاين الشمس بعد أن تطاولوا في الآونة الأخيرة على كسر قدسيتها بنيران إبليسية ليلية.

هذا الصباح.. كالموعد الأول مع عاشق خرافي، أتقنت تألقي احتفاء بهواء جديد، محاولة ناجحة كانت لاسترضاء جمالي، إعادة ابتسامات الصداقة بين وجهي والمرآة، لأكتشف أن أنوثتي قد أضربت عن الظهور للعلن علِي أذعن لمطالبها اللامتناهية.

أفضل ما في سجني الاختياري هذا، فائض الوقت المهدور انتظاراً دون أي فعل يذكر، من خلاله استطعت ترتيب أشيائي المبعثرة دوماً، للمرة الأولى أقتنع بكلام أمي، أني لا احتاج ثياباً إضافية. جميعها، في سابقة لخزانتي، نظيفة مكوية مرتبة، تنتظر أن يقع اختياري ليس على المتاح منها بل على ما يستحق نهاري أن أبدأ به.

بعد حرمان اجتماعي طويل، أدركت حميمية تفاصيل كثيرة كنت قد سأمتها، بل كانت مؤخراً أكثر ما يزعج أيامي. بالطبع ارتقى مفهوم همومي ومشاكلي مع كميات الرعب المكثفة دفعة واحدة قبل أسبوع، لكن أن أشتاق لباص النقل الداخلي،فاجأني هذا وأنا أحاول إخراج العشر ليرات للسائق المألوف.

في ذهول طفل ينظر لغسالة تدور، بت أتامل كل ماحولي، لا شيء مختلف أبداً، أين استقرت تلك الأصوات إذاً؟ هل كانت بضع  كذبات إشاعية؟ أكاد أصل لأول المخيم دون أي جديد، لافتة شركة الاتصالات مهشمة تقريباً، سمعت عن ذلك، آن لها أن تدفع بضع فاتورات مؤجلة من جيوبنا دوماً، ليس مبرراً للتدمير، لكني لم أهتم.

 موقف الباص أمام المسجد الأبيض محطم تماماً، قرميده مستلق على الرصيف بهدوء، لكن المسجد لم يتضرر أبداً. شوارع المدينة الرئيسية لا تشكو مما ذكر عنها، حتى جامع الماجد ليس بذاك السوء الذي قيل. أين ماتت القذائف المجنونة إذاً. ربما بدأت الحارات تدواي نفسها وتتعافى لكن لابد من علامات الأبدية.

 في تلك اللحظة أدركت غباء اعتزالي  كل تلك الفترة. جدران المباني تتحدث عن بعض ما مر، منها من ألبس قسراً ثوباً آخر، ككل المدينة كما أظن. بعضها الآخر، تلك التي لم يتجرأ أحد على الاقتراب من جريمة انتهاكه، وفقاً للتاريخ المدون أدنى كل منها، لم يمض عليها أكثر من أسبوع، هذا أكثر ما اختلف علي هناك.

من نافذة الباص التي تركتها لتراقب الشوارع عني، أبصرت شيئاً آخر، ليس في الجدران أوالأرصفة أوالمحلات، بل في وجوه الناس، خطواتهم الحذرة وجلاً، هدوؤهم المبعثر على كل حركاتهم، نظراتهم المكسوة خيبة،  كأنهم يرتدون الزي نفسه، صبرهم واحد، كلماتهم باتت ألطف، صوت نفير السيارات أضعف.

في ذلك الحر التموزي المقيت، ملامح الدمشقيين تتلون بالأسود والأبيض، فيلم صامت من ثلاثينات القرن الماضي، رماد شغف مبادٍ يصرخ مع حبات العرق على أنوفهم، ليس سأماً أبداً، بل عائدات بشر استثمر الخوف كل مخزونهم العاطفي، لأرى في جفونهم المتهدلة حرباً أغلقت نوافذي عنها، لم يكن كابوساً إشاعياً، لم يختلق فضولي أصوات النار التي مرت من هناك، هذا قد حصل فعلاً.

 دمشق خرجت من أشلاء حرب طازجة، لم تؤثر في جسدها الموجع أرقاً، كما سبت روحها ألماً، هنا كانت الندبات، تلك المستعصية على مباضع الأطباء، حتى رجال الحرب.

Advertisements

لا تنتهي الحكاية.. بين ضرير وصماء..

من رائحتها الرخامية أدرك أنها صارت هنا.. ليس عطرها بعد.. بل عبق مسامها الغض..

تكفي طرقات حذائها ليتأكد من ذلك.. ينصت بتركيز..

كما لو أنها تحاول تهجئة سمفونية على حصى الأرض الرمادية..

هي في حلتها الأبهى.. هكذا يتوقعها.. كصوت أوبرالي لون الوشاح الأحمر على عنقها.. كشذى الليل فستانها الأسود.. لا يراه..

صمتها كليل عيونه بارد طويل..

انتظرها.. لابد أن تتأخر..

لا يمكن أن تفرط بخصلة أنثوية كهذه..

لايحمل ساعة أبداً.. كذلك لم يتأخر عن موعد يوماً..

تبتسم.. لن يراها.. لكن يكفي رذاذ عطرها.. وضعته الآن.. يخبره السلام..

يبادلها التحية.. بابتسامة بلا رائحة..

لن يسألها سبب التأخر الاعتيادي.. لن يحرجها لاختلاق كذبة لن يصدقها على أي حال..هي لن تبرره ايضا.. هنا على الرصيف..لا تستطيع..

تمسك راحة يده الضخمة..تجتاز الطريق..هي المرة الأولى التي يلمسها.. ملت كلام الحذاء..

نعم حفظت خطوط شفاهه غيباً.. لكنها اشتاقت لحديث العيون..

لا أدري من فينا الأكثر عجزاَ..هما أم أنا أحاول فك طلاسم حديث لم افهمه أبداً

يكلمها… همساً فقط..لا يحتاج أن يرفع صوته.. وبتربيتات ناعمة بأصابعها الرفيعة  على الطاولة المجرحة بخواتم عشاق مروا من هنا..باتت تناقشه..

ليسا العاجزين هنا بل أنا.. لم تكفني حروف الدنيا، ألونها، همساتها لأخبره أنني أحببته يوماً..

هما.. صياماً عن اللمسات.. يغمض عينيه الناعستين لثانيتين لا أكثر..

تدرك بطول الثواني كم اشتاقها اليوم

قال: “مازلت على الحب صغيرة”.

مشكلتي أني لا احترف الكلمات..

أخجل من موسيقا القوافي..

وأنت قاموس بلغة أخرى.. لعالم آخر

كيف أفهمك؟

في المعطف الصوفي الأزرق لمحتك أول مرة..

كان حباً.. هوساً

كان ما يجب أن يكون..

بين تلك الأزقة المتخمة بأشباه حب..

أبصرتك قصتي.. حبكتها

أقنعتني أن لا طائل من محاولة فكها.. من ردم تفاصيلها

أن بلاهتي العشقية ستمسي البهار في تلك الصلصة الحارة..

أخبرتك أني لن أستطيع التذوق..

إن تجرأت خوفاً..

عشقاً..

لن أستطيع الكلام بعدها..

بررت أن لا حاجة لحروف البشر البالية لنسكن ما نحن فيه..

علمتني كيف أكبر بك..

أشيخ مع كل نوبة شوق مجنونة..

أصلي بزيت عطرك المقدس على صلبان مدينتنا المسكونة بأطياف الأماني..

أفهمتني أن بئر التضحيات العشقية لا يكتفي.. لن يكتفي مني..

لكنه لأحبة الغد سيضحي سلاماً..

كنت على الحب صغيرة..

أدري

وكنت أنت تدري..

بثقة بحماستي وضعت مفاتيح الضياع في قبضتي..

دون خريطة أو دليل..

صدقت أنك بوصلتي لن تحيد..

وبين غبار الانتظار الأصفر اختنقت في الضياع مرات..

علمتني..

أخبرتني..

أقنعتني..

افهمتني الكثير..

علِي أعتق فجأة كخمر صنوبري في كؤوس سهرك..

لم أستطع..

لن أستطيع..

لتعود اليوم بنبرة قديس لراهبة نبذها الرب..

لتقول لي..

ما زلت على الحب صغيرة..

المقامر..

منذ عام تقريباً أعارتني صديقة لي رواية الجريمة والعقاب للكاتب الروسي تيودور ديستويفسكي، بدأتها بحماس كبير واعدة إياها أنها ستكون عندها بعد اسبوع لا أكثر. مر عام ونيف ومازالت على رف مكتبتي، أعود إليها في أشد أوقاتي فراغاً، لم استطع أنهيها حتى اليوم لانشغالاتي الفارغة، واسباب تافهة تتعلق بحجم الخط المستخدم ونوع الورق الأبيض الذي لا يشدني عادة.

ذات الصديقة فقدت أمل أن أعيد الرواية بعد شهرين من التساؤلات المبطنة عنها، لتعود منذ أسبوع لتعيرني رواية اخرى للكاتب ذاته، ولكنها بحجم أصغر وورق أصفر أحب ملمس الحروف السوداء فوقه، تزامن موعدها مع انقطاع خط الانترنت لدي، وقراري النهائي بعدم الدفع، ليس لأحوالي المادية السيئة فحسب، بل لمقتي منظري الغبي كل عشرة أيام منتظرة في مركز الاتصالات ليأتي دوري، وأعطيهم مالي ليسرقوه بكل أناقة وتهذيب.

لم يكن أمامي إلا أن أبدأ قراءتها، لأنهيها في يومين متتاليين، مفضلة إياها على نشاطاتي المبعثرة هنا وهناك. أغلقتها البارحة في الثانية صباحاً وأنا أشتمها علها تقدم المزيد.

ففضلاً عن أسلوب الكاتب الكبير الذي لم يعجبني في روايته الأولى، ليذهلني في ” المقامر” ، كان لتلك الرواية مذاق آخر، لحياة روسية لم ولن أعيشها كما أعتقد، رائحة بطعم الفودكا الذي لم ولن أتذوقه أيضاً كما أعتقد.

مع الصفحات الأولى التي قدم فيها المترجم ” سامي الدروبي” رؤيته عن الرواية، ظننت أني سأكون مراقبة لحياة مقامر غبي، مع قصة عشق أقحمت قسراً، لتلون تلك الحروف السوداء، لأجد نفسي مأخوذة تماماً، بألكسي إيفانوفا، بطل الرواية العظيم، ليس غبياً كما اعتقدت، وتماشياً مع كلمات ديستويفسكي، أحبذ أن أصفه بالشهم، مقامر كريم شهم، عاشق للوله بتلك التي لا تستحق كل ذاك الهيام، مستغلة كل ذرة منه للدرجة القصوى. ليست حبكة عشقية جديدة أعلم، لكن المحيط الذي تطورت به الأحداث، يغريك بمتابعتها للصفحة الأخيرة، حباً بأرباح يجنيها ابطال الرواية فوق طاولة الروليت التي تخيلتها من دون أن أدري إن كانت صورتي عنها صادقة أم لا. ربما الخسائر الخرافية التي تنامت فوق الطاولة ذاتها كانت سبباً آخر لنهمي في إكمالها، باختصار، كان لعالم القمار الذي لم أدخله قبلاً سحره الخاص، ولعه وإدمانه القاتمان. فرغم شهرة الكاتب برصده أدق تفاصيل النفس البشرية، مهما كانت غريبة أو مريضة، إلا أنني لم اتوقع اني سأصاب بهوس القمار ذاك وأنا أتابع مجرياتها، شعرت بكل مشاعر اللهفة والخسارة والتوق لإعادة اللعب مراراً تعويضاً لمبالغ تطيرها عجلة الروليت كما تشاء. بت اوجه نصائح مبتدئة للمعلم الخبير، أحياناً بالتروي، وأحياناً أخرى بوضع كل ما نملك رهاناً على الصفر، أو الأحمر.

شخصياً، تابعت الكثير من الأفلام والمسلسلات العربية والأمريكية التي تصور موائد القمار وكزينوهاته المضيئة العبقة بأنفاس البشر شبه المقطوعة، لم تستطع إحداها أن تجذبني لأكون هناك، وأجازف بكل ما أملك لربح أخير، هو دائماً ربح أخير لن ينتهي، تلك الفكرة الأساسية التي حاول الكاتب إيصالها لقرائه، وكانت محاولة ناجحة بامتياز.

الشخصية المفضلة بالنسبة لي بين سبع شخصيات رئيسية حركت عجلة الأحداث، كان الانكليزي المحترم، مستر آستلي، لا اعلم لكن اظن أن الكاتب تقمصه في الرواية، كان أشد الموجودين حكمة نبلاً وتعقلاً. الجدة أيضاً فرغت حنقي على ابطال الرواية الآخرين لتعود بغباء محطمة إطارها الماسي في مخيلتي.

لن أطلعكم على النهاية طبعاً، أملاً في دخول التجربة الروسية البحتة كما فعلت، ليست روسيا مجرد بلد بارد، بقبب ملونة. سأعود للرواية الأولى الآن علي أستكمل الصورة كاملة.

ربما في مخيلتها..

إذن كما توقعت تماماً، عيناه خضراوان.. لأول مرة يبادلها النظرة.. واحدة فقط.. لأقل من ثانية.. كيف تضحي اللحظة بروحها متكسرة اشباه نظرات.. هي المرة الأولى.. لم تحسب يوماً انه يراها.. رغم كل العيون المراقبة لها على طول الحارة المرتاحة، ظنت أنه من النوع الذي لا يرى.. أو لا يراها هي على الأقل..

بحماقة مراهقة خجولة تتعثر مع عينيه في بركة ماء مطر أسود، تتطلع إلى السماء، لم تنتبه أنها كانت تمطر. عشرات الأشياء تزخ في بالها منذ أن خرجت هناك. لم تأخذ في بالها دغدغات السحاب. تتلون وجناتها ملتفتة إليه، تأمل أنه لم ير خرقها ذاك.

رافعاً قبعته البنية عن عينيه قليلاً. يبتسم. إذا شاهد خطواتها الغبية.. يمتقع وجهها بلون يتراءى في مخيلتها في تلك اللحظة.. يختفي وجهها لتعود عيناه .

وابل الأفكار يعود ليغرق مقلتيه في دماغها. يجب أن تنام، بعد أن تأكل وتستحم، ماذا طبخت أمها، هل أوقدوا المدفأة أم لا؟ أسئلة أكبر أو اصغر، تلهي قدميها المتراكضتين إلى المنزل.

كخريطة خطت بأجنحة الحمام يبدو الطريق المعبد أمامها، في الأيام الماطرة التي تملأ جيوب الشارع وحلاً، تحتاج لخفة في التراقص من بقعة لأخرى كي لا تبلل قدميها. صباحاً كان الطقس سعيداً، كيف اكتأب فجأة.

الصيف الماضي لمحته أول مرة، كان غريباً حينها، كبضاعة واجهته الصغيرة المرتبة، هادئاً مترقباً اللاشيء، يثير فضولها دوماً كتاب أسود يطالعه، لم ينته حتى اليوم، أحياناً تنوب صحيفة ملء راحتيه الخشنتين، خدوشهما البيضاء توحي بذلك.

لثمانية شهور كان هناك منتظراً على المقعد الحديدي، لم تشهد زبونة تشتري من الواجهة قبلاً، ربما قهوة الشوارع حكر على الرجال، على عكس باعة القهوة المتجولين هنا وهناك بالأصوات قبل الأقدام، لم تسمعه مرة ينادي للمارة. مثل قهوته الدافئة صوته، لطالما تخيلته.

همسات كعب حذائها يسبقها كل صباح ، تنوب عن كلماتها في التحية للجميع، خطواتها الناعمة تغريهم بالكلام، دون ان تنطق هي، كل صباح يلقون السلام.

وفي صمت صومعته الرمادية يصوم أمامها، حتى عن النظرات.

مذ أن خطفت عيناه أفكارها في ذلك المساء المبتل، لم يعد للحارة الممزقة الطعم ذاته، شذى الخبز الصباحي يتهادى من النافذة كسمفونية حزينة لم يعد يعنيها، إزعاج آلة الخياطة في محل الأحذية تطرق الجلد كحداد سئم، باتت عداداً لضربات قلبها ماضية هناك.

ليس أكثر من بائع على زاوية الرصيف، وربما ربح نهاره لا يساوي نصف ما تجنيه، لكنه مع النظرة المفضوحة إعجاباً حتى بتعثرها الأخرق، صار معضلتها اليومية، السبب الرئيسي لاستيقاظها صباحاً، ورفضها سيارة تنتظرها أمام الباب ، في سبيل خمس دقائق تراه بزاوية عينها خاطفاً صوراً لها ليسترجعها لاحقاً في فلم يطول في خياله حتى تعود.

أربعة شهور أخرى مضت تملأ صباحاتهما شوقاً لصمت عبق بابتسامات تجهض خوفاً، لصور ونظرات تختبئ خلف كبرياء كل منهما، كان إباءً اكبر منهما ، لم تستطع أن تنخره تلك الصداقة المنتظرة مهداً أدفأ لتولد شيئاً آخر، كل ما يحيط بذلك الطفل المرتقب يرفضه، عقلها يذكرها بغباء ما تقضي إليه كل صباح، يعلو صوته أمام آلة القهوة الباكية دمعاً أسود. ليس أكثر من قهوجي جميل، بعيون تملك الكثير، أكبر من تلك العدة المصفوفة مللاً لتنتهي في ذوبان.

أمام رغبتها اليومية لرؤيته منتظراً هناك، توق لاختفائه خلق فجأة. عله يتلاشى من دفاتر أفكارها الآن، قافلاً بعد أيام شوق حمراء بعطر عمل أهم، مما يناسب الكبرياء الدمشقي المنتصب في عينيه. النقاش ذاته بين قلبها المفتون بكل ما فيه، وعقلها الذي ساوم على حل وسط، أي شيء أكبر ولو قليلاً من قهوجي، جدال ملَت ضجيجه في الأعماق، قبلت بالقدر حلاً، مهما كان قاسياً على الطرفين المتنازعين.

بعيداً عن ترهات كل منهما وحججه المقنعة كانت الأيام تمضي على عجل، مهشمة كل رادارات الرحمة بمن يعيشها، وقتها ليس ذاك المحرك بأرقام اثني عشر، الدقائق فيها تتآكل كحمض أسيدي على جثة، لا يبقى منها سوى تلك الرائحة، رائحة فناء أحياناً، ورائحة الأسيد.

لا يبدو يوماً جيداً، استيقاظها المتأخر سيضرب مزاجها حتى المساء. مهما حاولت مرآتها إقناعها برونقها اليوم، لن تفلح. هي تدرك أن الزجاج المطلي هذا لا يجامل، لكنه يوم سيء.

تتجاهل صاحب المكتبة  وسلامه من بعيد، تخطو بغضب حزين، بين ما حلمت الليلة الماضية، والواجبات المتراكمة قهراً على خشب مكتبها  تتقلب أفكارها بامتعاض، ما كان يجب أن ترتدي هذا القميص، يكفيها سوء الحظ المنفجر من ساعة المنبه المتأخرة، لن تعود لتبديله  طبعاً، لكن عليها أن توسع صدرها اليوم.أنت كالقهوة تماماً تغريني رائحتها بارتشافها بعد سهاد ليل طويل.. لكن مع رقصات شذاها في أنفي أدرك مرارتها.. أكتفي به فقط..

تضحك من سخرية القدر المستيقظة معها لتتسلى بها، بعد أن وضعت عطرها الأثمن تفاؤلاً بيوم أجمل، يخرسه دخان اللحام المجاور، نعم هناك من يفضل اللحم المشوي على الفطور، ترمق اللحام بنظرة غاضبة افهمته معناها تماماً. مواسية نفسها بصاحب العينين السرمديتين هناك عند الزاوية تتقدم بأمل.

نعم سوء الطالع يكبر بالأنفاس المتذمرة، حتى الود الدافئ يقشعر معها، وابتسامة حلم منه لن تجعله يوماً افضل، تحتاج أكثر من ذلك، قرار بارد مشتعل يفني كل التفاصيل الغبية ليوم أحمق..

وكما تستلم ذرات القهوة المتناهية نعومة في تلك الفناجين الصغيرة، يذوب كل شيء حوله. كأنها اعتادت الطلب ذاته ( ربما في مخيلتها)..

تبتسم: فنجان سادة لو سمحت..