علموا أولادكم .. وبناتكم .. السباحة

توقظ أمي أخي ضرار في صباح صيفي كي لا يفوت موعد درس السباحة. تعلّم أخواي السباحة قبل أن ينهيا المدرسة الابتدائية. تعلّمت أماني بالمعية عندما أرسلتها أمي لتعتني بالذكرين الصغيرين. لأنها كانت “أمين – حسن صبي” لم يفكر والدي بنميمة العائلة أو الشارع في أن تشارك ابنته الصغيرة أطفالاً ذكوراً بركة السباحة. تفوقت أماني في الاختبار النهائي على ضرار وبشار، كما في اسمرار البشرة التي احتاجت الشتاء بطوله لتهضم آثار شمس دمشق.

لم يمنح والدي هذا الاستثناء لي ولأختي مرام. رغم أنه لم يمنعنا كما فعل مع ركوب الدراجة، لم يدفعنا لتعلم السباحة. سمح والدي لنا أن نذهب مع نادي صرفند الصيفي إلى مسابح الغوطة عدة مرات إلى أن بدأت أمي تتردد في إرسالنا بعد أن آذت مرام نفسها في قفزة خاطئة.

علّمتُ نفسي أن أطفو في بحر اللاذقية في الزيارات المتقطعة كل عامين، لأتمكن في النهاية مع تقليد حركات والدي من التحرك في الماء قرب الشاطئ لنصف دقيقة، قبل أن تبحث قدماي عن اليابسة مجدداً. لكن في بحر أثينا، ومن شاطئ جزيرة هيدرا الصخري، اعترفت لذاتي أني لا أجرؤ على القفز في مياه تغمرني. ولأنها اليونان، في البحر الذي أغرق لاجئين سوريين كثر، زجرتني فكرة أن أخاطر بنفسي بعد أن وصلتً برّ الأمان الأوروبي، لأغرق في البحر ذاته.

توارت صديقاتي خلف المدى وأنا على الشاطئ البسيط، أقرأ طفولة إيلينا فيرانتي في الحي النابولي الفقير الذي حاكى مخيمي و”الشارع” بتفاصيل كثيرة. عدت لبرلين بوجه محترق، ونيةٍ لأنهي روايات فيرانتي الباقيات وأن أتعلّم السباحة.

تمتلئ كل الرغبات والأهداف في ألمانيا بالانتظار. لم أستطع أن أجد مكاناّ في صف السباحة للمبتدئين. اشتركت في صف المتقدمين، مقنعةً ذاتي مجدداً أني أستطيع السباحة “نظرياً”، وأن أحتاج تدريباً وتحسيناً لتكنيكي وحسب.

طلب مدربنا في الدرس الأول أن نفقز مباشرة في البركة. قفز الجميع وأنا أشرح للرجل الخمسيني إمكاناتي السباحية. ناولني أنبوباً اسفنجياً لأتمسك به، وقفزت. بعد أقل من نصف دقيقة، صاح المدرب بالألمانية، “اخرجي، اخرجي.” “ماذا؟” سألت. “أنت لا تستطيعين السباحة على الإطلاق،” كان الرد. شطب اسمي من صف المتقدمين ومنحني مكاناً استثنائياً في صف المبتدئين المكتظ.

تغيرت الوجوه في الصف الجديد. بدا معظم الطلاب في الدرس الأول أوروبيين، أو ألماناً على وجه التحديد. يتعلم الأطفال في ألمانيا السباحة في المدرسة الابتدائية. استطاغ طلاب الدرس الأول السباحة دون مشاكل أو خوف، لكن أرادوا تعلم طرق سباحة جديدة، أو زيادة تحملهم في الماء. في الدرس الثاني، تعددت الأعراق كما اللغات. من افريقيا، الهند، تركيا، وروسيا، مع المدرب الألماني ذاته، بجلده البني المحترق وبطنه الكبيرة المدورة التي يزيد سرواله القصير الضيق في إبرازها.

أصرّ المدرب أن يساعدني في ارتداء سترة النجاة رغم عدم ارتياحي لاقترابه من دائرتي الشخصية، كما أصرّ أن يمسك قدميّ ليعلمني تحريك ساقيّ كالضفدع على حافة المسبح قبل أن أقفز.
أصيب المدرب بسكتة قلبية لم تود بحياته، لكن أوقفت الصف بعد درسين، لأبحث عن صف جديد.

اعتذرت عاملة التسجيل في المدرسة الجديدة عن إيجاد مكان لي في صف الإناث الممتلئ. لم أطلب مكاناً فيه أصلاً، وعندما أخبرتها أني لا أمانع التسجيل في صف مختلط. وجدت لي مكاناً على الفور، في المسبح العام في حي نيكولن جنوب شرق برلين.

اكتشفت في الدرس الأخير وجود شابين سوريين ولبناني كانوا قد بدوا لي شرق أوروبيين وتركي. تكلمنا عن أسباب تعلمنا، عن الخوف عند القفزة الأولى، عن صعوبة تنظيم التنفس في البداية. قاطعت المدربة حديث تعارفنا في العشر دقائق الأخيرة لنكمل التدريب.

مع مدربتي اليافعة التي لم تكن تتوقف عن الابتسام، تعلمت السباحة “عملياً” هذا العام.

 

في حب المنفى

تزورني صديقتي البرلينية هنا في نيويورك. نملأ النهار المشمس بزيارات سريعة متعبة لجسر بروكلين، Empire State Building ، وغروب نيوجرسي من سطح سكني الجامعي أمام نهر الهدسن. أتذكر الزيارات التي لم تنته من أصدقاء مشوا من دمشق إلى برلين ليكون منزلي محطة اللجوء الأولى.

أتقنت الزيارت السريعة المتعبة ذاتها، للمقبرة اليهودية في شارع كنيسة صوفيا، حيث تنفد قطع الكيك الساخنة من المخبز المسمسى لأجل الكنيسة قبل الظهيرة، بضع أمتار نخطو إلى الممر الضيق في شارع Rosenthaler قرب السينما. ينتهي الممر بغرافيتي ضخمة لقرد يحمل كاميرا إلى جانب وجه آن فرانك المسكين.

في برلين نمشي من Mitte إلى جزيرة المتاحف بالقرب من النهر التي مازال يصيبني بالخيبة كلما أجبت زائراً عن اسمه. ينتهي النهار بمساء بارد قرب جدار برلين الميت شرق المدينة. في كل زيارة أطالع المزيد عن كل مكان كي أقدم برلين بطبق أدفأ لزائر غالباً لا يهتم سوى بتوفير أجرة سرير سيء في إحدى فنادق برلين الرخيصة.

الجولة ذاتها اليوم في المدينة العظيمة. لم أحاول أن أتظاهر بمعرفة نيويورك، أو حتى التودد منها. كنت سائحة كما باولينا الجميلة، لكن دون شغفها أو فضولها المحببين. أضحك للصور بحماس مفتعل في كل “سيلفي” تطلبه أمام المباني الضخمة. أملأ فراغ الشوارع المتكلمة بكلام فارغ. نتحدث في كل شيء، لأعود في النهاية إلى برلين.
قبل يومين كتبت صديقة فلسطينية من عكا، التقيها في برلين قبل ثلاث سنوات تدوينة قصيرة عن المدينة. تأكدت أن أحتفظ بالمقال لأقرأه في المترو العائد إلى شقتي في حي هارلم. أنهيت كلماتها بحزن وخيبة صغيرين. رشا تحب برلين، لكن لم تستطع كلماتها أن تصف كل شيء. تحب برلين دون أن يأتي المقال بكل ما تركته لها هنا. في الواقع لم أترك شيئاً لأحد في المدينة التي اخترت الرحيل عنها. لم اترك أصدقائي، شارع Schonhauser Alle وبائعو التوليب في الدلاء الملونة، محل المقالي السوداني، المطعم الإيطالي بالبيتزا ذات الأربعة يورو، بوظة الفستق الحلبي في المتجر المكتظ دائماً، وجوه الأطفال المختبئة في رمادية المدينة والسترات التي تفرضها على الأجساد الصغيرة. لم أترك أياً من هذا لأحد، ولا حتى لحبيبي الذي تركته هناك.
غادرت دمشق ولم أشتقها فعلاً مذ ودعت أمي تحت جسر المتحلق الجنوبي في الميدان حيث قررنا باتفاق ضمني ألا نبكي. غادرت دمشق  وصور الوجه الكبير على الأبنية المهترئة. لم يغادرني الامتنان للحياة أجبرتني كما فتحت لي الباب خارج الزنزانة الكبيرة.
اخترت أن أترك برلين دون أن أجبر على ذلك. لم يحدث أن مر نهار هنا، في “أفضل مدينة في العالم” كما يتبجح الجميع، دون أن أشتاق للمدينة التي لم أختر الرحيل عنها فعلاً.

عيد الأم

في رسالة لبروفيسوري الإسرائيلي الطيب، أخبرني أننا سنشاهد فيلم “والتز وبشير” في الصف غداً وأنه عن الاجتياح الإسرائيلي للبنان في ١٩٨٢. رأي البروفيسور أن عليه تحذيري لمقاطع من الفيلم تحتوي صوراً لمذابح صبرا وشاتيلا ربما أفضل ألا أراها، وأنه سيسمح لي بمغادرة الصف أثناء عرض الفيلم. أبتسم، أتذكر زيارتي الوحيدة للمخيم في خريف ٢٠١٢، قبل شهرين فقط من نزوح اليرموك. أكتب في الرد أن حقدي لا
يحتاج صوراً إضافياً كي يملاً القلب. أتذكر أنه من هناك، وأنه طيب حقاً، أكتب، رأيت ما يكفي سواء من الجيش الإسرائيلي أو من الأسد.
تطلب مني مسؤولة المكتب الصحفي في البيت الابيض أن أزودها بمعلومات إضافية عني، وأن أتأكد من تهجئة اسمي بدقة. أحست بالذنب النهار التالي أن ربما تؤرقني الأسئلة الإضافية. صارحتني أنها لا تمثل الإدارة الحالية، وأنها تشعر بالعار لما يحصل هناك. أخبرتها أن لا مشكلة، وأن تهجئة اسمي هو ألطف ما يمكن للإدارة الحالية أن تؤرقني لأجله. لن يراني أبي في نهار تخرجي، لأجل قرارات الإدارة الجديدة، وأخاف أن أغادر إلى برلين أيار القادم، علّي لن أعود.
يأكلني إحساسي بالذنب تجاه الربيع والإجازة التي نالت اسمه. ابتعدت عن الكتب، وحاسبي المحمول، وكل التاريخ الذي علي أن أهضمه قبل كتابة السطر الأول في المشروع الذي يستوجب تسليمه بعد أسبوع بالضبط. يأكلني إحساسب بالذنب أن كان عليّ البقاء في نيويورك، زيارة بعض المتاحف بدلاً من الأيام التسعة التي أمضيتها في الجبل، أو في السيارة بين ولايات الغرب الأميركي.
ابتعدت عن الكتب سوى رواية لكاتب باكستاني يحكي فيها عن حرب تشبه حربنا في أرض بعيدة. يشبه النص كوابيس بيروت لغادة السمان دون أن يرتقي لواقعيتها. تبدو الحرب أكثر طرواة بالإنكليزية ربما، تبدو أقرب بالعراقية عندما شاركتني “نور” ما حدث في الكرادة ببغداد عشية عيد الفطر الماضي.
يحمل آذار مشاريع العام المقبل دائماً، أو على الأقل خطط الخريف. يحمل حباً للمساءات التي تنكر فساتيني القصيرة أنها ما زالت باردة. الربيع الماضي حمل ربيعي هذا الذي لم يكن عاقراً أيضاً. أكثر ما أخاف في عيد الأم أن يأتي آذار القادم دون مشاريع وليدة.

معطفاً أجمل

أنهيت مقابلة التاريخ الشفوي الأولى لي هذا المساء. اتفقت مع الدبلوماسي الثمانيني أن نلتقي في الثالثة والنصف. لم أزر هذا الجزء من مانهاتن قبلاً، ومازالت الأبنية الملونة أكثر ما أفضله في المدينة اللئيمة. ليست لئيمة، لكن تصر على تجاهلي، وأصر على الاعتذار عن كوني هنا.

انتظرت لدقيقة أمام باب الشقة المفتوح قبل أن يستقبلني في غرفة الجلوس. أمضيت المقابلة أسترق النظر غلى تفاصيل المكان اللانهائية، الأطباق الزجاجية التي لم أستطع أن أحدد جنسيتها بالضبط، النافذة الخشبية المدقوقة على الجدار. لم أعلم إن كان مستر ريتشارد قد تجاهل أو سها عن تعليقي في نهاية المقابلة على أناقة المكان.

تحدثنا لساعة ونصف، دون أن ننه الأسئلة التي احتجته للإجابة عنها، طلبت أن نلتقي مرة ثانية، لم يعترض رغم اعترافه أنه لا يملك أكثر من ما شاركني به. حمل الثمانيني الجميل معطفي الرياضي كي أرتديه، تمنيت لو أني اصطحبت معطفاً أجمل، معطفاً يستحق أن يساعدني على ارتدائه دون أن أشعر بالحرج أني لا أنتمي للمكان. شاركت بعض المعلومات الشخصية وهو ينتظر قدوم المصعد معي.

اعترفت هذا الصباح أن تجربة المرأة المستقلة ترهقني، وأن سعيي الدائم لعمل أفضل ينال من بدايات ونهايات أيامي، أني أتمنى لو كانت تجربة فعلاً، لأعلن أنها انتهت، أو أن أكتفي بتجربة الفتاة المستقلة دون الترقية لأكون امرأة عاملة. لا تنتهي الانتظارات، مرة أخرى أنتظر نهاية. البدايات مبالغ في تقديرها، توقفت عن كوني فتاة عندما أدركت ذلك ربما.

أؤجل يومياً مشروع كتابة مذكراتي رغم الأيام المحمومة بتفاصيل تستحق التدوين، مشاركة أحد أصدقائي الافتراضيين مذكراته المملة على الحائط أمام الجميع، يضع فكرة الكتابة أسفل المعدة. أعلم، أشارك نهاراتي كما يفعل، لكن على الأقل لم جمع كلمات العربية كي أخبر أحداً ماذا تناولت اليوم على العشاء، أو أن فطيرة التفاح من مطبخ السكن لم تكن بالسوء الذي توقعته.

البدايات، النهايات، ورسائل البريد الالكتروني، لم تفشل في إيقاظي بعد نوم قصير. أمي أيضاً.

قبل الاثنين القادم

أحاول أن أنهي النسخة الأولية من مشروع تخرجي قبل مساء الاثنين، أحتاج الكتابة بشكل متواصل في الأيام القادمة حتى أنهي المشروع قبل موعد التسليم. فيزيائياً أعجز عن الكتابة مع ألم ساعدي، مرفقي وأصابعي من الطباعة، تؤلمني مفاصلي كستينية مهترئة هجرها أطفالها، يذكرني وجهي أني لم أتجاوز السادسة والعشرين بعد.
 
أتهرب من العمل بالكتابة عن مقابلة الأمس في محاضرة التاريخ الشفهي، والإجابات التي ظننت أني اعتدتها في السؤال عن المخيم ودمشق والحرب التي وضعتني في العاصمة الألمانية. مازلت أختنق كلما أخبرت أحداً أن الناس في المخيم ماتوا من الجوع، مازال عيوني تستمع لقصة تلة الخبز في حملة التجويع التي لم ينتصر فيها سكان اليرموك.
 
أعطانا البروفيسور الجميل دقيقتين لنتنفس إثر المقابلة المركزة. أتحاشى عيون الجميع في نهاية الدرس الطويل. لم يعلم أستاذي الإسرائيلي أن أطفال المخيم لا يعرفون العالم الخارجي إلا إذا ارتادوا الجامعة، لم أعلم أن أحداً لا يعلم هذا أيضاً. في نهاية النهار أهرب من فيلم “عمر” للمرة الرابعة أمام عشائي القصير، أهرب من استيقاظ الحقد على جبهة فلسطين، من مشاهد التعذيب لرجال يخطئون العربية. أنتظر القبلة الجميلة بين عمر وحبيبته التي تشبه حنين شقيقة راما صديقتي، لكن لا ينتهي مشهد الاعتقال. أتهرب من سؤال “الحل الأفضل” للشعب الفلسطيني.
 
أعود للمقابلة الفوضوية مع السيدة نجاح في المشفى الدافئ في برلين بداية هذا العام، مع أنفاس والدتها التي تكاد أن تنفد، بدت كل القصص المتراكمة، المقتضية الغير منتهية، الفوضوية بشكل واضح، بدت معقولة، مفهومة، لا تحتاج لدقة الصحفي التي أضعها عادة أمام مسجل الصوت. الآن أعود للمقابلة وملاحظاتي لكن دون الترتيب الفوضوي الذي منعني من مقاطعتها وهي تحكي أيام الحصار، والهجرة الثانية. أحاول أن أنهي المشروع بتغلبي على فوضوية المقابلة، فوضوية تاريخي الشفهي أمس، والآلام الجسدية التي لا أصدق أني مازلت أكتب عنها.
 

اكتفت عنه به

ترمي ما في الوعاء في دورة المياه بهدوء، متجنبة أن يمس الحليب أطراف المقعد الابيض. كانت قد انتقلت أخيراً إلى منزل حقيقي، بعد الطلاق الأول من المهجع المختنق برائحة الأغطية المعاد استهلاكها، أنفاس الجميع، الكلام في الحلم، رنين الهواتف نهاية الصباحات المستعجلة، الشعر المحترق بالمملسات الرخيصة، القهوة، الزبدة المخزنة من وجبات الإفطار الموقع عليها، الخبز المجفف، والزيت المعاد استخدامه. اختفت بعض الروائح هنا، دون أن يذهب الاختناق العطري وإن كان مألوفاً قليلاً. رائحة البسكويت بالكاكاو، مزيل طلاء الأظافر، زجاجات العطر الفارغة تصرخ في انفها كلما مرت قرب الخزانة الضيقة. كانت تخبره بالأمس كيف اضطرت إلى رمي نصف ملابسها كي تفسح مجالاً للملابس الجديدة، في رأسها كانت القصة محزنة، أثارت تعاطفها على الأقل، لكن عبر الهاتف، بدت سخيفة، سطحية وغريبة الأطوار، كما الابتسامة التي أوجزتها بعد غياب أي تعليق منه حول مأساة الثياب المرمية. تفقدت هاتفها مرتين قبل أن تستلم إلى أغاني الصباح الممضوغة، تنظف المجلى العالي، تقف على أطراف أصابعها كي تضع الزجاجات الفارغة على الرف الأخير.

تطهوها اختفاءاته الطويلة، صوته الغائب، ما تبقى من وجهه في رأسها، على شفتيها، في صندوق بريد هاتفها. أردات رجلاً لتحبه بما يكفي وحسب. أتعبها الحب الكبير، القلب الفارغ ومعاطف الأحبة التي لم تدفئ روحها فعلاً. كانت في بدايات مراهقتها تدافع عن فكرة “أن تحبي يللي بحبك”، تخلت عنها مع الرجل الأول، أحبته أكثر مما ينبغي، واستغربت أن تكتب إحداهن رواية كاملة لهذا العنوان وحسب. أحبته أكثر مما ينبغي وحسب، ويمكن للقصة أن تنبت في أذهان القارئات اللواتي قد ارتكبن هذا يوماً. أحبت مرة أخرى ليس أكثر مما ينبغي أو أقل، أو عن رجل كهذا الحب كانت تبحث. في السابع والثلاثين تصبح الأمور أكثر منطقية، مازالت تقع في الحب الكبير إن أتى، تتجنب القصص التي لن تقنعها، لكنها تعلم، أن أياً منها لن يستمر، وأنها إن أردات رجلاً ليبقى، وتبقى هي في حياته معاً، عليهما أن يحبا كلاً الآخر بالقدر ذاته، بالطريقة ذاتها. ودت لو صنعوا للمشاعر تطبيقاً ذكياً لحساب كمية وجودة مشاعر أحدنا للآخر في العلاقات العاطفية، مع عبارات تشجيعية، وأرقام إحصائية ومخططات بيانية ستتجاهلها في الأغلب تحدد موقع القلب على الخريطة العاطفية بدقة، مع مؤشر يتوقع مسارها. كانت له في المرة الأخيرة، للا للقصة أو المكان أو ظروف الحب المقلقة. اختبر كلاهما ماكان يمكن أن يكون لولاهما معاً، مع اختفاءاته الطويلة، وما تبقى من شفاهها في رأسه.

On Valentine’s day

Those occasions all happened in Damascus and Berlin, on normal days in the old home in Yarmouk and the white room in Pankow, Facebook reminded me of them

I think I am now in love, I certainly I am, this is the first time I pass the greened eyes man who sells accessories on the bus stop of our house without having a look if he is checking me out .. I don’t care, I am certainly in love.

No more long distance relationships, no more waiting. No more virtual love.

We all can afford tulips, so why to get one?

I am home now, my mother would know that right away from the moment I entered the building, I start either singing or whistling, my uncle would open his flat door to shut at me that it’s nap time, my mother would tell that whistling is a call for demons. I would ask her for lunch, and stop whistling till tomorrow.

Someone found my blog through google search: what does a girl do when she is alone in her free time.

Two days ago, I was convinced that love is not my currency, but today is different.

صباح أحد

يروي توم سيجيف في “فلسطين واحدة، مكتملة” تفاصيل الانتداب الأوروبي على فلسطين، نهايات العثمانيين، الجوع في غزة، والقرى اليهودية. في ١٩١٧ قبيل الحرب العالمية الأولى تقلص عدد سكان فلسطين من ٨٠٠ ألف (٧٠٠ الف فلسطيني و٨٥ ألف يهودي) مئة ألف كاملة. يذكر أن مؤرخاً فلسطينياً وثق أن بعض الأمهات “العرب” أكلن أولادهن من الجوع. أبحث عن مؤامرة بين الأحرف على جهازي الجديد، والتطبيق الذي مازال قاموسه الالكتروني يبهرني. أستطيع أن أبحث عن معنى Kleidoscope في وصف السياسة البريطانية في القدس. يلخصها مؤرخ يهودي أن “بعض البريطانين كان أقرب لليهود، وبعضهم الآخر للعرب، ومنهم من كان يكره الطرفين.”
لم تنته أزمة المياه في دمشق، لكني أمضيت ظهر البارحة في متحف “كوينز” الذي خصص معظم قاعاته ليشرح نظام ضخ المياه إلى نيويورك. تحتاح المدينة ١٣٠ مليون غالون من المياه الصالحة للشرب، تأتي من شمال الولاية، وبعض الولايات المجاورة. حاولت التقاط فيديو أشرح به بحماسة مفتعلة تعقيد نظام المياه هنا، تذكرت أن دمشق عطشى، وأن لا أحد يهتم فعلاً. اكتفيت بلقطة بانورامية لمنهاتن، تبدو فيه أقل رداءة من الواقع.
انتهى حظر الدخول على مسلمي دول معينة. لا أتجرأ على مغادرة الولايات المتحدة بعد، ولن ألغي موعدي مع المحامي المشهور صباح غد، لكن لن أنتظر كتابة مخاوفي مرة أخيرة، سأبتسم إن أخبرني أحد زملائي أنه شاهدني في اعتصام الجامعة الاثنين الماضي، دون الاسهاب في محاولة أن أبدو أكثر شجاعة، أقل مهانة، وأنا أردد بمكبر الصوت البدائي خوفاً “ماذا يمكنني أن أقول، لا أعلم ماذا أقول، لا أعلم ماذا أقول.”
والدتي تصر أن يمكنني ارتداء عقدها الذهبي التي أرسلته مع عمتي من حمص في نهارات الجامعة الاعتيادية، سأعتاد وزنه بعد أيام. الكلمات ذاتها في المرة الأخيرة تقنعني فيها بمواظبة الصلاة، “إن اعتدتها لن تستطيعي أن تكملي يومك دونها”، فقدت أمي الأمل بصلاتي منذ زمن. بالضبط منذ تأكدت أني لن أتزوج رجلاً يسألني في الموعد الأول “بتصلي؟”
أكرر قصتي مع الصباحات للأصدقاء الجدد، أشرح اني شخص ليلي أحاول تبني الصباحات بفشل، تلك التي ظننت أنها كذلك لأن برلين تجعلها أضيق. أن الصباح للقهوة الكسولة، لفيروز تبكي بصوت يضحك أصدقائي الألمان، والقراءات العبثية، بعض الكلمات المدونة هنا ربما أيضا.

احتيال

أحتال على فوضويتي ببضع علاقات خشبية أنتظرها بعد طلب متأخر على أمازون، أحتال على ثيابي المكدسة في الرفوف المظلمة أنها سترى النور، وأني لن أنتظر مناسبة أجمل كي أرتدي فستاناً احتلت على إحباط عصر ثلاثاء برليني أن ابتعته.

أحتال على صباحاتي بشاي أيرل غراي بعد أن ذكرت بطلة فيلم آدم أنه قهوة دون رائحة فم مزعجة في صباحات النعاس السيء. أحتال على حلم أني احتجزت في المنزل مع شقيقتي، أن استطعت أن أهرب بواحدة فقط، بهاتف ساخر مع حبيبي أخبره عن الكابوس “المضحك”. أحتال على ألم معصمي بأقراص بروفين أبتلع ثلاثة منها معاً. أحتال على جهلي بأخبار الرئيس الجديد باقتناص “نيويورك تايمز” من مدخل مستوصف الجامعة عند الصباح. أكدس الصحف الثقيلة لأمر سريعاً على العناوين. أحتال على دفء غرفتي ونافذتها التي أعبطت معصمي، بثلاث شمعات إحداها برائحة فطيرة التفاح أشعلتها مساء اليوم لإحباط مساء أربعاء آخر. لم أعلم أن قصتي ستكون أكثر وظائفي صعوبة أن أدونها.

جربت سبع محاضرات في اليومين الماضيين، في مدرسة العلاقات الدولية، وكلية القانون وقسم دراسات الشرق الأوسط. في محاضرة حل النزاعات الدولية ولماذا نفشل، كان لابد أن أخبرهم أني آتي من هناك قبل أن أعتذر من البروفيسور أني سأغادر مبكراً كيلا أتأخر على مقابلة عمل لم تكن كما توقعت. في محاضراتيّ اللجوء والهجرة القسرية، أتبجح أمام الجميع أني من هناك أيضاً، لكن هناك كنت لاجئة، وأني في برلين كنت لاجئة أيضاً. أمضي المحاضرتين أومئ للبروفيسور موافقتي على مضمون ما ذكر، أذكرها بأسماء الكتب وبرامج الراديو التي أرادت التحدث عنها. أخبرها في النهاية أن مشروع تخرجي لن يتبعد كثيراً عن قانون اللجوء الدولي. يحتفي الأساتذة هنا بوجودي أن يمكن لتجربتي أن تخرج الكتب والسياسات للواقع، حيث أتحدث عن رأيي بـ “لماذا فشلنا؟”. صف الهجرة القسرية يحتاج مثالاً حياً للاجئة أخرى. أتهرب من بريدها الالكتروني يسألني إن قررت إضافة مقررها إلى منهاج هذا الفصل، تغريني أننا في نهاية الفصل سنزور عائلة لاجئة هنا في نيوجرسي لنتقرب من تجربتهم أكثر.

في محاضرة الحرب الباردة والأدب العربي، لم يكترث البروفيسور العراقي أني من هناك، لم يكترث أن معظم الطلاب لا يعرفون الجواهري، وأن سياقات الحرب الباردة والأحزاب الشيوعية في العراق ومصر الناصرية ليست بديهيات لطلاب كولومبيا حتى وإن أعجبتهم دراسات الشرق الأوسط في استشراق أكاديمي كتب عنه إدوارد سعيد في الجامعة ذاتها. في محاضرة إعادة التفكير في سياسة الشرق الأوسط، لم أومئ كثيراً، دونت كل ما شرحه البروفيسور البريطاني الجميل، تأكدت من إضافة المقرر إلى المنهاج الثقيل، أكثر ما أثار سعادتي هو أني تمكنت من تدوين كل كلمة، على حاسبي الذي لم يمت في النهاية، أهم ماجاء في المحاضرة.

تسعفنا التكنولوجيا دون أن تشفي سأمنا. أصطحب صوته والصورة منخفضة الدقة في احتيالاتي النهارية الصغيرة، في ممر المتجر المزدحم، قبل مراجعتي لطبيب معصمي الذي لم يأت، بعد المحاضرات التي لم ينتهي “تسوقي” في واجهاتها بعد. أصطحب صوته حتى ينتهي المساء، حتى أحتال على ذاتي أنها بضع أيام فقط، أني بعد أسبوع ربما، لن أجد وقتاً لأي احتيال آخر، سيحتال الوقت على كل إحباطاتي معاً.

من غرفة العلبة في نهار لن يمطر

تكتب صديقتي أنها كلما رأت دمشق بعين مغترب تعلقت بها أكثر. لا تعلم أنها إن استطاعت أن تراها بعين مغترب حقاً، ستزحف هاربة إلى بيروت، إلى المتوسط، إلى حدود الموت في تركيا أو اليونان. لا تدري أن دمشق بعين مغترب هي سجن كبير، مقبرة حياة لم تتنفس بعد لنشتم رائحتها العطنة.

في دمشق تمطر السماء على الاسفلت الموحل. يرتدي المطر حلة عامل تنظيفات في مشفى المجتهد أجبر على العمل وردية أخرى، أخيرة. في دمشق، يرقصون للمطر، يصلون لغيابه، يكتب الجميع عن طول الانتظار. هنا، المطر هو المدينة، المظلات المتكسرة على زوايا الأرصفة اللانهائية، المطر يتجاهل وجودنا كما نفعل تماماً. لا ينتظر، ولا يتوقع منا انتظاره على أي حال. الغربة هي اعتياد بلاهة المطر، الاعتراف الضمني بسخافتنا مع بدء حديث قصير في المصعد عن مزاج الطقس ذلك المساء. الغربة هي ابتعادي عن إلصاق المطر بمعنى اسمي الذي لم يعد يعنيني كما ظن أبي.

كلما رأت دمشق بعين مغترب تعلقت بها أكثر. أقحم ذاتي في التفاصيل التي ربما قد دفعتها لكتابة المدينة في سطر بسيط. شخصياً حاولت اختزال دمشق في صور بألوان مكثفة في وداعنا الأخير أيلول ٢٠١٤. زرت الأماكن المحببة من باب الالتزام بعشرة الماضي لا لدوافع عاطفية أبداً. انتظرت الحمّام الطويل في برلين لأبكي اشتياقي إياها. غادرت برلين ولم يأتِ.
في عشاء طويل بالأمس مع صديق سويسري كان مديري في العمل في ألمانيا، تحدثنا عن فلسطين وإسرائيل وكل الخطابات المكررة والمخبأة وحكايات الطرف الآخر. ظهر النهار ذاته، أخبرني برفيسور السياسة الخارجية الذي يصر أن يسوق اسم منظمة التحرير كمثال على الإرهابيين التقليديين. أخبرني أنه يقدر عاطفيتي وأنا أدفع للاتجاه الآخر في رواية الحرب الأميركية على العراق. علي أن أعي بوجود الرواية الأخرى لكل شيء، أنهى الحديث.
مساء النهار ذاته أتفق مع صديقة سورية أن نطال ماضيها في حلب وإدلب وبرزة دمشق لنسجله على هاتفي المحمول لساعة كاملة. بعد عامين في نيويورك تعلمت لبنى أن تقدم ماضيها كسباق سلس لقفز الحواجز، “قصة طويلة لأختصرها” تقول، قبل أن تذكر عرضياً أنها شهدت مقتل صديق تحت الطاولة، قرب حي الزبدية. “الوطن هو المكان الذي أرتاح فيه،” تكرر.
صباح الجمعة هنا، قهوة أخرى، ومهمات لن تنجز لكن ألهث لإتمامها، كتب تصطف في زاوية غرفة العلبة كما يصطف إحساسي بالذنب أن لم أبدأ قراءتها بعد في زاوية الحنجرة.
“الوطن هو أن لا يحدث هذا كله.” أختصر غسان كنفاني لماثيو في مترو من بروكلين إلى مانهاتن.